لا نعرف دائما ما نفكر فيه، إلا بعد أن نحاول كتابته

قد تبدو هذه العبارة متناقضة للوهلة الأولى. فالكتابة، في تصورنا المألوف، تأتي بعد اكتمال الفكرة، كأنها مجرد وعاء ننقل إليه ما استقر في الذهن. لكن التجربة تعلمنا شيئا آخر: كثيرا ما تكون الفكرة نفسها نتاجا للكتابة، لا سابقة عليها.

داخل الذهن تستطيع الأفكار أن تعيش في سلام مع تناقضاتها. فالغموض لا يلفت الانتباه، والقفزات المنطقية تمر من غير مساءلة، والنتائج تستند إلى مقدمات لم نفحصها بعد. أما حين تتحول الفكرة إلى كلمات، فإنها تفقد هذه الحصانة. تصبح مطالبة بأن تفسر نفسها، وأن تكشف الطريق الذي أوصل إليها. كل جملة تسأل عما قبلها، وكل نتيجة تبحث عن دليلها، وكل يقين يواجه لأول مرة احتمال ألا يكون يقينا.

لهذا لا أتعامل مع الكتابة على أنها مرحلة تلي التفكير، بل على أنها إحدى أدواته. وربما كانت أدقها.

الكتابة كاختبار وتجربة للتفكير

وقد قامت مقالات مونتين كلها على هذه الفكرة، وإن لم يصغها بهذه العبارة. فهو لم يكتب ليقرر حقائق نهائية، وإنما ليختبر أفكاره وهو يكتبها. حتى عنوان كتابه، المقالات، بالفرنسية essais أصله اللغوي: من فعل المحاولة essayer. وكأن التفكير نفسه لا يكتمل إلا إذا خاض تجربة الكتابة.

ولعل هذا هو السر في أن بعض النصوص يفاجئ أصحابها قبل أن يفاجئ قراءها. تبدأ المقالة بفكرة، ثم تنتهي إلى أخرى لم تكن تخطر في البال عند السطر الأول. ليس لأن الكاتب غير رأيه، بل لأن الكتابة منحته فرصة أن يراه بوضوح.

لهذا أصبحت أعد المقال مختبرا أكثر منه منتجا. أدخل إليه بافتراض، لا بخلاصة. وأخرج منه غالبا بفهم أوسع، وأحيانا بخطأ أقل.

إعادة تعريف العلاقة مع المراجع والبيان

ومن هنا أيضا، أصبحت علاقتي بالمراجع تختلف عما كانت عليه. لم أعد أرجع إليها بحثا عن شاهد يؤيد ما أريد قوله، بل بحثا عما قد يمنعني من قوله. فالمرجع الجيد ليس الذي يزود الكاتب بالأدلة فحسب، وإنما الذي يضع أفكاره موضع اختبار.

كان الجاحظ يرى أن البيان ليس مجرد تحسين للقول، بل وسيلة لإظهار المعنى وتمحيصه. ولهذا امتلأت كتبه بالاعتراضات والموازنات والوجوه المختلفة للمسألة الواحدة، كأنه كان يدرك أن الحقيقة لا تتجلى من أول نظرة، وأن الفكرة تزداد وضوحا كلما عُرضت على العقل من أكثر من جهة.

ولذلك لا أطمئن إلى الذاكرة مهما بلغت، ولا إلى الانطباع مهما بدا قويا. فالمعرفة لا تقوم على ما نتذكره، بل على ما نستطيع التحقق منه. والمقال الذي يخلو من مصادره يطالب القارئ بالثقة في صاحبه، أما المقال الذي يكشف مراجعه فيدعوه إلى أن يشاركه رحلة البحث، لا أن يقلده في النتيجة.

القراءة كشبكة علاقات ومحاسبة للذات

ومع مرور السنوات تغيرت علاقتي بالقراءة أيضا. لم أعد أقرأ بحثا عن الأفكار وحدها، بل عن الصلات بينها. قد أجد في كتاب عبارة تبدو عابرة، ثم أكتشف بعد أشهر أنها تفسر ملاحظة قرأتها في دراسة أخرى، أو تمنح معنى جديدا لتجربة عشتها. ليست المعرفة مجموعة معلومات متجاورة، وإنما شبكة من العلاقات لا تظهر إلا لمن يطيل النظر.

ولهذا أحب أن أعود إلى مقالاتي القديمة. لا لأراجع أسلوبها، بل لأقرأ الإنسان الذي كتبها. أرى ما كان يراه بديهيا، وما كان يغيب عنه، وأدرك مقدار ما تغير، أو ما ينبغي أن يتغير. ولا أجد في ذلك ما يزعجني، لأن الكاتب الذي لا يختلف مع نفسه بعد أعوام، كالقارئ الذي لا يضيف إليه كتاب جديد شيئا.

التفكير والإنسان في عصر الذكاء الاصطناعي

واليوم، مع الذكاء الاصطناعي، أصبحت كتابة النصوص أيسر من أي وقت مضى. تستطيع الآلة أن تقترح عبارة، وأن ترتب الأفكار، وأن تلخص كتابا، وأن تعين على البحث. لكن كل ذلك يبدأ بعد السؤال، لا قبله. أما السؤال نفسه، ذلك القلق الذي يدفع العقل إلى الشك، ثم إلى المراجعة، ثم إلى بناء معنى جديد، فلا يزال مسؤولية الإنسان.

ولهذا لا أظن أن عصر الذكاء الاصطناعي يقلل من قيمة الكتابة، بل يزيدها. لأنه يجعل الفارق بين الكاتب وغيره أقل ارتباطا بقدرته على إنتاج النص، وأكثر ارتباطا بقدرته على إنتاج الفكرة.

فالكتابة، في النهاية، ليست أثرا يتركه التفكير وراءه، وإنما الطريق الذي يسلكه التفكير حتى يبلغ غايته.

شاركها.
اترك تعليقاً

عاجل