ترتبط أسطورة “لعنة الفراعنة” باعتقاد ساد فترة طويلة بأن وفاة اللورد كارنارفون، الممول الرئيسي لبعثة اكتشاف مقبرة توت عنخ آمون عام 1923، كانت عقوبة له على جرأته وعبثه بالمقابر الفرعونية.
ورغم أن علماء الآثار اجتهدوا كثيرا في نفي هذه الأسطورة، وتأكيد أن الرجل مات بشكل طبيعي، فإن تقارير حديثة ربطت بين وفاته ومرض ربما انتقل إليه من المقبرة، وهذا لا يؤكد الأسطورة التي يكفي لنفيها أن المكتشف نفسه هوارد كارتر، مات بشكل طبيعي بعد سنوات من الاكتشاف، لكنه من ناحية أخرى يعني أن التعامل مع المقابر والمومياوات يجب أن يتم بحذر بالغ، وهو ما أكدته دراسة نُشرت مؤخرا في دورية “إنترناشونال جورنال أوف كلتشرل بروبرتي”، الصادرة عن مطبعة جامعة كامبريدج.
وأكدت الدراسة أن اللعنة الحقيقية للمومياء، هي في الأخطار الصحية الكامنة فيها، والتي يمكن أن تنتقل بسهولة خلال عمليات البيع والتجارة ببقايا المومياوات، التي أصبحت منتشرة بكثرة على الإنترنت وتذهب إلى من يدفع أكثر.
وبحسب الباحثين، فقد اتسعت في السنوات الأخيرة شبكات تهريب عبر منصات التواصل الاجتماعي، والمواقع الإلكترونية الشخصية، والمتاجر الإلكترونية، ومنصات التجارة الإلكترونية، ودور المزادات.
وتتضمن هذه العملية أخطارا صحية جسيمة تهدد جميع الأطراف المعنية، من مشترين وبائعين، وصولا إلى عمال الشحن الذين يتعاملون مع هذه الشحنات.
علامات واضحة للتحلل
وفحص الباحثون خلال الدراسة 128 إعلانا ومزادا على الإنترنت، ليفاجَؤوا بأن البقايا البشرية المحنطة التي يتم تداولها تظهر عليها علامات واضحة للتحلل البيولوجي، ولم يقدم البائعون أي تعليمات حول كيفية التعامل معها أو تخزينها بأمان، والأكثر غرابة أن كثيرا من تلك البقايا كانت تُشحن عبر خدمات البريد العادية.
وكان أكثر من نصف القطع التي يتم تداولها (تحديدا 51.6%)، عبارة عن رؤوس محنطة كاملة أو أجزاء منها، وجماجم لا تزال عليها أنسجة رخوة أو شعر.
وأشارت الدراسة إلى أن عملية تحنيط هذه الأجزاء، سواء كانت اصطناعية أم طبيعية، تعتمد على عمليات كيميائية معقدة تبطئ تحلل الأنسجة العضوية، وعلى مر القرون استُخدمت مواد سامة مختلفة في حفظها، بما في ذلك معادن ثقيلة كالزرنيخ والزئبق والرصاص، وهو ما يهدد بانتقال خطر تلك المعادن أثناء عملية التداول.
ورغم أن هذه الرفات قد تكون جفت منذ مئات السنين، فإن الباحثين لا يستبعدون احتواءها على مجموعة كثيرة من الكائنات الدقيقة الكامنة، ومن بين هذه الكائنات تثير جراثيم الفطريات الكامنة قلقا بالغا، إذ يمكن أن تنتشر في الهواء عند تحريك الرفات.
أمثلة تاريخية للخطر
وتتعجب كيرستي سكوايرز، أستاذة علم الآثار الحيوية البشرية في جامعة ستافوردشاير البريطانية، والباحثة المشاركة بالدراسة في تصريحات صحفية لها، من مشاهد تم توثيقها لبقايا متحللة بشدة موضوعة بشكل مكشوف على منصات عرض، دون غطاء زجاجي، ودون أي تحكم مرئي في درجة الحرارة، ودون أي من التدابير الوقائية المناسبة اللازمة للتخزين الآمن للبقايا البشرية.
ويأتي هذا التعامل بأريحية ودون حذر مع هذه الرفات، بينما توجد دراسات ربطت استنشاق جراثيم فطر الرشاشيات بوفاة عشرة من أصل اثني عشر عالما فتحوا قبر الملك كازيمير الرابع ملك كراكوف في بولندا الحالية خلال سبعينيات القرن الماضي.
علاوة على ذلك، يعتقد باحثون أن شكلا حادا من داء الرشاشيات، ناجم عن استنشاق الأبواغ، ربما ساهم في وفاة اللورد كارنارفون، الممول الرئيسي لاستكشاف مقبرة توت عنخ آمون في وادي الملوك بمصر.
ولخطورة الأمراض التي يمكن أن تنقلها هذه الرفات، تشدد كيرستي على أن “الخوف من التجارة الإلكترونية المتنامية في البقايا البشرية المحنطة لا يحمل أبعادا ثقافية أو أخلاقية فقط، بل يهتم في الأساس بوجود تهديد للصحة العامة لم يتم تقييمه بشكل كاف، مما يعرض شريحة واسعة من الناس لخطر جسيم دون أن يعلموا”.
احتياط بدون رعب
ويتفق الدكتور عبد الله سامي، الأستاذ المساعد بكلية العلوم في جامعة عين شمس، ومدير وحدة الصحة الواحدة بمركز أبحاث كلية الطب بالجامعة، مع الرسالة التي يود الباحثون توصيلها من تلك الدراسة، والتي وصفها بأنها “أخطر تحذير من تجارة المومياوات”، لكنه يخشى في نفس الوقت أن يُساء فهمها، فيتم تصوير المومياوات وكأنها قنبلة بيولوجية تنتظر من يوقظها.
ويقول عبد الله للجزيرة نت: “المومياوات بقايا بشرية قديمة يمكن أن تحفظ آثار أمراض ومواد وراثية، فتقدم دراستها خدمة كبيرة للعلم، وفي نفس الوقت يمكن أن تحتوي على مواد كيميائية وكائنات دقيقة، بما يفرض اشتراطات مهمة عند التعامل معها”.
ويضيف: “نريد أن نبقي على دراستها التي تفتح لنا نافذة على تاريخ الأمراض والأحياء الدقيقة والتطور، ولا نريد أن تكون أخطار التداول غير الآمن لبقاياها، التي رصدتها الدراسة، مبررا لإغلاق تلك النافذة”.
ويستعرض عبد الله بعض أبرز النوافذ التي فتحتها المومياوات على أمراض الماضي، حيث عثر باحثون في دراسة منشورة في دورية “جورنال أوف كلينيكال مايكروبايولوجي” (Journal of Clinical Microbiology) على مواد وراثية مرتبطة ببكتيريا المتفطرة السلية، المسببة لداء السل.
كما نجح باحثون خلال دراسة نشرتها دورية “إميرجنج إنفكشس ديزيزز” (Emerging Infectious Diseases) في التعرف بشكل محدد على الحمض النووي لطفيل “المتصورة المنجلية” في أنسجة مومياوات مصرية، وهو أحد أخطر الطفيليات التي تسبب الملاريا.
ويخلص عبد الله من ذلك إلى قوله “نريد أن يتم إدارة القضية بمبدأ الاحتياط المهني، لا بمنطق الرعب، عبر تحديد اشتراطات صارمة تضمن سلامة كل المتعاملين مع بقايا المومياوات، بحيث لا يفهم من الدراسة أن التعامل مع المومياوات شر مطلق”.
