عند طرح التساؤل حول ما يجب أن تكون عليه الجامعة الإسلامية، فإن الجامعة الحديثة غالبا ما تُقصي هذه الأسئلة من المجال الأكاديمي، أو تعتبرها مسائل فلسفية أو دينية تقع خارج اختصاص العلوم.

أما الجامعة الإسلامية، فلا ينبغي أن يكون دورها إيقاف البحث العلمي أو الحد من حرية المعرفة، وإنما إدخال منجزات العلم والتكنولوجيا في إطار أوسع من النقاش الأخلاقي والأنطولوجي والحضاري.

ومن هنا، فإن المهمة الأساسية لهذه الجامعة ليست تقديم “إجابات إسلامية جاهزة”، بل تهيئة البيئة الفكرية التي تسمح بإنتاج إجابات جديدة وأصيلة عن أكثر أسئلة عصرنا تعقيدا.

ليست كلية شريعة أكبر.. بل جامعة جديدة

كما أشرت في المقال السابق، فإنني أرى أن اسم الجامعة يتضمن كلمتين زائدتين؛ فمصطلح “الجامعة الإسلامية” في حد ذاته يستوعب العلوم والتكنولوجيا، ولا يحتاج إلى إضافتهما في التسمية. لكن الأهم من الاسم هو طبيعة المشروع نفسه. فهناك خطران ينبغي على تركيا أن تتجنبهما وهي تؤسس هذه الجامعة.

الخطر الأول أن تتحول المؤسسة إلى مجرد كلية شريعة متطورة أو نسخة موسعة من كليات الإلهيات القائمة. فتركيا تمتلك أصلا رصيدا علميا معتبرا في هذا المجال، وليس المطلوب إعادة إنتاج ما هو موجود، وإنما بناء فضاء معرفي جديد يحقق لقاء حقيقيا بين مختلف التخصصات.

أما الخطر الثاني فهو إنشاء جامعة تقنية عادية أُضيفت إليها كلمة “إسلامية”. فإذا اكتفت الجامعة بترجمة المناهج الغربية السائدة كما هي، ثم ألحقت بها بعض المقررات الدينية الإلزامية، فإنها ستكون قد تراجعت إلى ما قبل الأسئلة التي طُرحت منذ نصف قرن في مؤتمر مكة.

إن الجامعة المنشودة ليست نسخة مكبرة من المدرسة التقليدية، وليست كذلك نسخة مزينة برموز دينية من الجامعة الغربية الحديثة.

إنها ينبغي أن تكون نموذجا جديدا يجمع بين ميراث “الحكمة والأخلاق” الذي مثلته المدرسة الإسلامية، وبين “روح البحث العلمي والإبداع” التي تقوم عليها الجامعة الحديثة.

ليس من المصادفة أن تكون الدراسات التي أُنجزت عقب مؤتمر مكة قد أكدت جميعها أن استدامة الجامعات الإسلامية لا يمكن أن تتحقق اعتمادا على التمويل الحكومي وحده، بل تحتاج إلى منظومة أوقاف قوية تضمن استقلالها واستمرارها

ما الذي يميز التجربة التركية؟

تمتلك تركيا في هذا المشروع مزايا قد لا تتوافر مجتمعة في كثير من بلدان العالم الإسلامي.

أول هذه المزايا هو رصيدها الحضاري العريق. فالمدارس العثمانية، والأوقاف، والمستشفيات التعليمية، والمراصد الفلكية، والمؤسسات العلمية التي ازدهرت عبر التاريخ ليست مجرد صفحات من الماضي، بل تمثل خبرة مؤسسية ثرية تستحق الدراسة والاستلهام.

أما الميزة الثانية، فهي أن تركيا تمتلك اليوم بنية جامعية وعلمية متقدمة، ولا تحتاج إلى البدء من الصفر في إعداد كوادرها الأكاديمية، بل تستطيع استقطاب أفضل الباحثين من داخل البلاد وخارجها.

وثالثا، تتمتع تركيا بموقع جغرافي وثقافي فريد يجعلها نقطة التقاء بين البلقان والقوقاز وآسيا الوسطى والعالم العربي وأفريقيا وجنوب آسيا.

ومن هنا جاء اهتمام القانون المؤسس للجامعة بالطلاب الدوليين.

غير أن العالمية الحقيقية لا تتحقق بمجرد استقبال طلاب من دول مختلفة، بل تقتضي أيضا تنوعا حقيقيا في الهيئة التدريسية، والإدارة الجامعية، والمدارس الفكرية الممثلة داخل المؤسسة.

أما الميزة الرابعة، فهي تقاليد الوقف الراسخة في تركيا.

وليس من المصادفة أن تكون الدراسات التي أُنجزت عقب مؤتمر مكة قد أكدت جميعها أن استدامة الجامعات الإسلامية لا يمكن أن تتحقق اعتمادا على التمويل الحكومي وحده، بل تحتاج إلى منظومة أوقاف قوية تضمن استقلالها واستمرارها.

ما الذي ينبغي فعله؟

إن نجاح هذا المشروع يبدأ قبل كل شيء بتشكيل هيئة أكاديمية مؤسسة تمتلك الكفاءة العلمية والرؤية الفكرية. وينبغي ألا يكون معيار الاختيار هو القرب السياسي أو الإداري، وإنما الإنتاج العلمي، والعمق الفكري، والسمعة الأكاديمية الدولية. ولعل الأسماء التي أُعلن عنها حتى الآن تبعث على قدر من التفاؤل في هذا الاتجاه.

كما ينبغي إنشاء مراكز بحثية حقيقية متعددة التخصصات، تعالج القضايا الكبرى التي تواجه الإنسانية اليوم، مثل:

  • الذكاء الاصطناعي والأخلاق.
  •  الاقتصاد الإسلامي والعدالة العالمية.
  • التكنولوجيا الحيوية وكرامة الإنسان.
  • المدينة والعمارة والحضارة.
  • قانون الحرب والتقنيات العسكرية الجديدة.

فهذه هي القضايا التي تحتاج إلى مساهمة فكرية إسلامية جادة، لا إلى تكرار ما أنتجه الآخرون. ولا شك أن تحقيق هذا الهدف ليس أمرا يسيرا.

إن القيمة الحقيقية لجامعة تركيا الدولية الإسلامية لن تُقاس بعدد كلياتها أو مبانيها، بل بقدرتها على أن تصبح فضاء تُطرح فيه الأسئلة التي لم يجرؤ العالم الإسلامي على طرحها منذ عقود، وأن تسهم في إنتاج نموذج معرفي جديد، يزاوج بين أصالة الوحي وصرامة العقل

لكنّ ثمة شرطا لا غنى عنه لنجاح أي جامعة تطمح إلى الريادة، وهو أن تكون منفتحة على التعدد الفكري والنقد العلمي. فالجامعة التي تخشى النقد لا تستطيع إنتاج معرفة جديدة. ولعل فكرة “«أسلمة المعرفة»” نفسها خير مثال على ذلك.

فقد كانت محل نقاش واسع، ووجهت إليها انتقادات كثيرة، بعضها عادل وبعضها الآخر مجحف.

ومع ذلك، فإن الجامعة التي تطمح إلى الريادة لا ينبغي أن تغلق أبوابها أمام هذه الانتقادات، بل عليها أن تجعلها جزءا من حوارها الداخلي.

أما إذا تحولت إلى مؤسسة لا تسمح إلا بتكرار ما تعتبره حقائق نهائية، فإنها ستفقد رسالتها، ولن تكون مركزا لإنتاج الفكر، بل مجرد مؤسسة تعيد إنتاج نفسها.

فالجامعات العظيمة لا تُبنى بالإجابات الجاهزة، وإنما بالأسئلة الكبرى.

ولهذا فإن القيمة الحقيقية لجامعة تركيا الدولية الإسلامية لن تُقاس بعدد كلياتها أو مبانيها، بل بقدرتها على أن تصبح فضاء تُطرح فيه الأسئلة التي لم يجرؤ العالم الإسلامي على طرحها منذ عقود، وأن تسهم في إنتاج نموذج معرفي جديد، يزاوج بين أصالة الوحي وصرامة العقل، وبين الأخلاق والحرية، وبين الهوية والانفتاح، وبين الإيمان والإبداع.

وعندئذ فقط، لن تكون هذه الجامعة مجرد مؤسسة تعليمية جديدة، بل خطوة حقيقية نحو تأسيس “نموذج حضاري ومعرفي جديد”، وهو الحلم الذي بدأ في مكة عام 1977، ولا يزال ينتظر اكتماله حتى اليوم.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

شاركها.
اترك تعليقاً

عاجل