Published On 30/7/2026
رغم استمرار الاقتصاد الأمريكي في تسجيل النمو، تكشف أحدث البيانات عن مؤشرات متباينة، مع تباطؤ النشاط الاقتصادي وارتفاع عوائد السندات إلى مستويات تاريخية، مما يزيد قلق المستثمرين ويضع الاحتياطي الفدرالي أمام خيارات أكثر تعقيدا.
وتتزامن هذه التطورات مع استمرار الضغوط التضخمية والتوترات الجيوسياسية، التي تلقي بظلالها على قرارات الاستثمار وأسواق المال، وسط ترقب واسع لما ستتخذه السلطات النقدية الأمريكية خلال الفترة المقبلة.
وخلال نافذة اقتصادية، أوضح الزميل نديم الملاح أن بيانات مكتب التحليل الاقتصادي الأمريكي أظهرت تباطؤ نمو الاقتصاد إلى 1.5% خلال الربع الثاني من العام، وهو مستوى جاء دون توقعات الأسواق، في وقت تواصل فيه التطورات الدولية الإلقاء بظلالها على أداء أكبر اقتصاد في العالم.
وأشار إلى أن هذا التباطؤ تزامن مع استمرار الضغوط التضخمية، إذ بلغ مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي الأساسي، وهو المقياس المفضل لدى الاحتياطي الفدرالي 3.7% على أساس سنوي، بينما جاءت طلبات إعانة البطالة أقل من التوقعات، بما يعكس استمرار متانة سوق العمل الأمريكية.
وأوضح الملاح أن المؤشر يستبعد أسعار الغذاء والطاقة، إلا أن ارتفاع كلفة الطاقة يتسرب بصورة غير مباشرة إلى أسعار السلع والخدمات، وهو ما يبقي الضغوط التضخمية قائمة رغم تباطؤ وتيرة النمو الاقتصادي.
تباطؤ فني
ومن واشنطن، قال مراسل الجزيرة أحمد هزيم إن الرسالة الأهم التي حملتها البيانات تتمثل في أن التباطؤ الحالي يبدو فنيا أكثر منه هيكليا، موضحا أن الاستهلاك الداخلي، الذي يمثل نحو 70% من الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي، لا يزال يحافظ على قوته.
وأضاف أن التراجع يعود بدرجة أكبر إلى انخفاض الإنفاق الحكومي واختلالات مؤقتة في الميزان التجاري، إلى جانب بعض الإجراءات المالية التي اتخذتها الحكومة، وليس إلى ضعف في الطلب المحلي أو تراجع النشاط الاقتصادي بصورة هيكلية.
لكنّ هزيم أشار إلى أن التطورات الجيوسياسية، خاصة ارتفاع أسعار الطاقة، تزيد حالة الضبابية أمام المستثمرين، إذ يفضل كثير منهم تأجيل ضخ استثمارات كبيرة لحين اتضاح مسار الأوضاع في المنطقة وانعكاساتها على التضخم والأسعار.
ولفت إلى أن هذه المعطيات تضع الاحتياطي الفدرالي في موقف معقد، فاستمرار التضخم يدفع نحو الإبقاء على سياسة نقدية مشددة، بينما يدعم تباطؤ النمو الأصوات المطالبة بتخفيف أسعار الفائدة لتحفيز الاقتصاد.
وفي هذا السياق، جاءت موجة جديدة من الضغوط في سوق السندات، بعدما ارتفعت عوائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل 30 عاما إلى أعلى مستوياتها منذ نحو 19 عاما، في مؤشر على تغير توقعات المستثمرين بشأن مسار السياسة النقدية.
كما اتسع الفارق بين عوائد السندات قصيرة وطويلة الأجل، بعد موجة بيع للسندات طويلة الأجل أعقبت قرار الاحتياطي الفدرالي تثبيت أسعار الفائدة، مع انتقال المستثمرين نحو آجال استحقاق أقصر انتظارا لمزيد من الوضوح.
ضغوط متراكمة
من جانبه، رأى الباحث في دراسات السياسات الاقتصادية بمعهد أمريكان إنتربرايز، ستان فوغر، أن تباطؤ النمو يرتبط بعدة عوامل، أبرزها انخفاض معدلات الهجرة إلى الولايات المتحدة، إضافة إلى الاضطرابات التي شهدتها السياسات الاقتصادية خلال الفترة الماضية.
وأوضح أن تراجع النمو من نحو 2% إلى 1.5% يمثل مؤشرا مهما، مؤكدا أن الضغوط التضخمية وارتفاع أسعار الطاقة والمواد الغذائية ستظل من أبرز المحددات التي سترسم مسار الاقتصاد الأمريكي في المرحلة المقبلة.
وأشار فوغر إلى أن استمرار التضخم عند مستويات مرتفعة قد يدفع الاحتياطي الفدرالي إلى الإبقاء على أسعار الفائدة المرتفعة، باعتبارها أداة رئيسية للحد من الضغوط السعرية، رغم ما قد يسببه ذلك من تباطؤ إضافي في النشاط الاقتصادي.
وأضاف أن استثمارات الذكاء الاصطناعي أصبحت تمثل أحد أهم محركات النمو في الولايات المتحدة، محذرا من أن أي تباطؤ في تدفق رؤوس الأموال إلى هذا القطاع سينعكس على قطاعات اقتصادية أخرى ويحد من وتيرة التوسع الاقتصادي.
وفي قراءته لتحركات سوق السندات، أوضح فوغر أن المستثمرين ما زالوا يترقبون الخطوة المقبلة للاحتياطي الفدرالي، في ظل غياب مؤشرات حاسمة بشأن توقيت تعديل أسعار الفائدة، وهو ما يفسر استمرار التقلبات في سوق الدين الأمريكية.
وأكد أن ارتفاع الفائدة، إلى جانب الضبابية المرتبطة بالسياسات التجارية والتوترات الدولية، يزيد صعوبة استقطاب الاستثمارات طويلة الأجل، ويدفع المستثمرين إلى تبني مواقف أكثر تحفظا حتى تتضح الرؤية الاقتصادية بصورة أكبر.
