يعود المخرج الياباني هيروكازو كوري إيدا إلى موضوعه الأثير، العائلة وما تخفيه علاقاتها من هشاشة واحتياج، لكنه ينقله هذه المرة إلى مستقبل قريب أصبحت فيه التكنولوجيا قادرة على إعادة الراحلين، أو ما يشبههم على الأقل، إلى البيوت التي تركوها خلفهم. وبدأ عرض فيلمه الجديد “خروف في الصندوق” (Sheep in the Box) في عدد من دور السينما الأمريكية، الجمعة الماضية، بعد مشاركته في المسابقة الرسمية للدورة الـ79 من مهرجان كان السينمائي في مايو/أيار الماضي.

ويمثل الفيلم انتقالا لافتا في سينما كوري إيدا نحو الخيال العلمي، وإن ظل في جوهره دراما إنسانية عن الحداد والأبوة والخوف من فقدان الأحبة مرة ثانية.

اقرأ أيضا

list of 4 itemsend of list

تقع أحداث الفيلم في مستقبل غير بعيد، بعد عامين من وفاة طفل صغير يدعى كاكيرو، تاركًا والديه أوتوني وكينسوكي في مواجهة حزن لم يتمكنا من تجاوزه أو حتى الحديث عنه بصورة كاملة. تتلقى الأسرة بعد ذلك طفلا آليا صُنع في صورة الابن الراحل، ويحمل ملامحه وصوته وشيئًا من ذاكرته، فيدخل المنزل باعتباره فرصة لاستعادة الحياة التي توقفت يوم رحيله. تستقبل الأم الروبوت بفرح لا تستطيع إخفاءه، كأن الباب فتح فجأة على زمن ظنت أنه انتهى، بينما يتعامل الأب معه بحذر واضح ويرفض في البداية أن يناديه الطفل “أبي”، طالبًا منه الاكتفاء بمناداته “عمي”.

وبين الموقفين، يعيد كوري إيدا بناء تفاصيل الحياة العائلية بهدوء، متابعًا الطريقة التي يتسلل بها الطفل الجديد إلى البيت، قبل أن يضع الزوجين أمام الأسئلة التي أجّلاها منذ وفاة ابنهما. لا يقدم الفيلم الروبوت باعتباره بديلا ميكانيكيا يمكن تشغيله أو إيقافه وفق رغبة صاحبه؛ إذ يبدأ كاكيرو تدريجيا في اكتساب تجاربه الخاصة، وتكوين علاقات خارج البيت، والتقرب من كائنات آلية أخرى.

وهنا يتغير معنى التجربة بالنسبة إلى الزوجين، لأن الطفل الذي استعاداه للتخفيف من آلامهما يصبح كيانا مستقلا، قادرًا على اختيار حياته وربما مغادرة الأسرة، بما يهددهما بتجربة الفقد مرة أخرى.

موتى يواصلون صناعة الذكريات

لم تنطلق فكرة الفيلم من خيال علمي بعيد، وإنما من خبر قرأه كوري إيدا عن رجل أعمال صيني يعمل على تطوير خدمات تستخدم الذكاء الاصطناعي التوليدي لمحاكاة أشخاص رحلوا عن الحياة.

والتقى المخرج برجل الأعمال خلال زيارة إلى الصين، وشاهد نماذج رقمية لا تكتفي بعرض ذكريات قديمة، بل تدخل في محادثات جديدة وتراكم خبرات مشتركة مع الأحياء.

وجد كوري إيدا في التجربة ما يثير الفضول والقلق معا؛ إذ أدرك أن أشخاصا كثيرين قد يلجؤون إلى مثل هذه الخدمات بحثا عن العزاء، لكنه تساءل في المقابل عن حق الأحياء في إعادة تشكيل وجود الموتى والتصرف في أصواتهم وصورهم وذكرياتهم بالطريقة التي يريدونها.

المخرج الياباني هيروكازو كوري إيدا (غيتي)

ومن هذا التوتر بين الاحتياج العاطفي والمسؤولية الأخلاقية تشكلت النواة الأساسية للفيلم. ومع أن “خروف في صندوق” يستند إلى تطورات الذكاء الاصطناعي والروبوتات البشرية، فإن كوري إيدا لا يهتم باستعراض الجانب التقني بقدر اهتمامه بما تفعله هذه التكنولوجيا في مشاعر البشر. فالزوجان لا يبحثان عن آلة متطورة، بل عن ابنهما، ولا يقيسان نجاح التجربة بدقة الصوت والملامح وحدها، وإنما بقدرتهما على استعادة شعور كان يملأ البيت قبل أن يتحول إلى فراغ.

ويضع الفيلم المشاهد أمام سؤال لا يقدم له إجابة مريحة، وهو هل تساعد إعادة إنتاج الراحل على قبول موته، أم تؤجل لحظة الاعتراف بالغياب؟ كما يسأل عما إذا كان الروبوت الذي يتعلم ويكوّن ذكريات جديدة يظل نسخة من الشخص الذي صُنع على صورته، أم يتحول مع مرور الوقت إلى فرد مختلف له الحق في اختيار علاقاته ومستقبله.

يرى كوري إيدا أن الزوجين اعتقدا في البداية أن التكنولوجيا ستساعدهما على تجاوز فقدان ابنهما، لكن ما يبقى في النهاية ليس الجسد المصنوع وحده، بل صوته والآثار التي تركها، ومنها شجرة زرعاها لابنهما، وذكريات جديدة أضيفت إلى ذكريات الطفل الراحل. وعوضًا عن البقاء أسرى لهذه التجربة، يعودان إلى حياتهما اليومية وقد انفتحت أمامهما إمكانية مختلفة للتعايش مع الحداد.

“الأمير الصغير” خلف العنوان

يستعير الفيلم عنوانه من كتاب “الأمير الصغير” لأنطوان دو سانت إكزوبيري، وتحديدًا من المشهد الذي يطلب فيه الأمير رسم خروف، فلا ترضيه الرسوم المتتابعة، قبل أن يرسم الراوي صندوقا ويخبره بأن الخروف الذي يريده موجود داخله. يقبل الطفل الرسم لأنه يستطيع أن يرى بخياله ما لا يظهر أمام العين.

تنسجم هذه الإشارة مع عالم كوري إيدا، حيث لا تقاس العلاقات بما يظهر منها وحده، ولا يوجد الإنسان في ملامحه وصوته وبياناته فقط. فالطفل الآلي يشبه الابن الراحل، لكنه لا يستطيع أن يكونه تمامًا، كما أن العائلة التي تحاول استعادة صورتها القديمة تكتشف أن عليها بناء علاقة جديدة بدل الاكتفاء بتكرار الماضي.

وأشارت وكالة أسوشيتد برس إلى أن الفيلم يستثمر الفكرة الواردة في “الأمير الصغير” بشأن قيمة الأشياء غير المرئية والروابط التي لا تستطيع العين وحدها إدراكها.

ويبلغ طول الفيلم 126 دقيقة، وتؤدي هاروكا أياسي دور الأم أوتوني، بينما يجسد دايغو ياماموتو شخصية الأب كينسوكي، ويظهر الطفل ريمو كواكي في تجربته السينمائية الأولى بدور كاكيرو.

وكتب كوري إيدا السيناريو وتولى الإخراج والمونتاج، بينما وضع يوتا باندوه الموسيقى، وتولى ريوتو كوندو إدارة التصوير. ويواجه كواكي مهمة تمثيلية دقيقة، إذ يؤدي شخصية تبدو بشرية في ظاهرها، لكنها تتعلم العالم والعلاقات من موقع مختلف. ويتطلب الدور الحفاظ على مسافة بين الطفل الحقيقي والكائن المصنوع، من دون تحويل الروبوت إلى شخصية جامدة تخلو من المشاعر أو الحضور.

العائلة تتغير ولا تختفي

قد يبدو “خروف في الصندوق” مختلفا عن أفلام كوري إيدا السابقة بسبب عالمه المستقبلي، لكنه يواصل انشغاله الممتد بالسؤال نفسه حول ما يجعل مجموعة من الأشخاص عائلة؟ وهل تحددها صلة الدم، أم الرعاية والوقت والذكريات التي يصنعها أفرادها معًا؟

طرح المخرج هذا السؤال بصور مختلفة في “مثل الأب مثل الابن” (Like Father, Like Son) عام 2013، الذي تناول أسرتين تكتشفان تبديل طفليهما عند الولادة، وحصل على جائزة لجنة التحكيم في مهرجان كان. ثم عاد إليه في “سارقو المتاجر” (Shoplifters) عام 2018، من خلال أشخاص جمعتهم الحاجة والرعاية أكثر مما جمعتهم القرابة، وفاز الفيلم بالسعفة الذهبية ورُشح لجائزة أوسكار أفضل فيلم دولي.

مشهد من فيلم "خروف في الصندوق" للمخرج الياباني كوري إيدا المصدر موقع مهرجان كان
مشهد من فيلم “خروف في الصندوق” للمخرج الياباني كوري إيدا (موقع مهرجان كان)

وامتدت تجربته خارج اليابان في “الحقيقة” (The Truth) عام 2019، بمشاركة كاترين دينوف وجولييت بينوش، ثم في الفيلم الكوري “السمسار” (Broker) عام 2022، الذي فاز بطله سونغ كانغ هو بجائزة أفضل ممثل في مهرجان كان. وعلى اختلاف البلدان واللغات، ظلت شخصيات كوري إيدا تبحث عن بيت، أو تحاول تحديد معنى البيت بعدما تفشل الروابط التقليدية في توفير الأمان.

ولا يبتعد فيلمه الجديد عن هذا المسار، بل يضيف إليه عضوًا لم يولد بالطريقة المعتادة، ولا تجمعه بالعائلة رابطة بيولوجية حقيقية، لكنه يشاركها الطعام واللعب والصمت والانتظار. ومن خلاله، يختبر كوري إيدا الحدود التي يمكن أن تصل إليها الأبوة والأمومة عندما يصبح من الممكن تقنيًا استحضار صورة الطفل، بينما يظل استحضار وجوده الإنساني الكامل أمرا مستحيلا.

الأطفال أمام الكاميرا

يرتبط حضور الأطفال في أفلام كوري إيدا بطريقته الخاصة في إدارة مواقع التصوير، إذ يحرص على ألا يتحول الطفل إلى مجرد أداة لتنفيذ تعليمات المخرج. وتحدث في مناسبات عدة عن المسؤولية التي يتحملها طاقم الفيلم، لأن العاملين في موقع التصوير قد يمثلون أول مجموعة من البالغين يلتقيها الطفل خارج نطاق الأسرة والمدرسة.

ويأمل المخرج أن يعود الممثلون الصغار إلى بيوتهم وهم يحملون ذكرى جيدة عن السينما، وعن بالغين يعملون بجد لكنهم يعرفون أيضًا كيف يضحكون ويجعلون المكان آمنًا. كما عُرف بموقفه الرافض للمضايقات والتنمر وظروف العمل القاسية، وباعتماده قواعد واضحة للتعامل مع السلوك غير اللائق داخل مواقع التصوير.

وتنسجم هذه الحساسية مع أفلامه، التي لا تنظر إلى الأطفال باعتبارهم رموزا للبراءة فقط، بل أشخاصا يراقبون تناقضات الكبار ويدفعون أحيانًا ثمن قراراتهم.

وفي “خروف في صندوق” يزداد الأمر صعوبة، لأن الطفل الموجود أمام الكاميرا يؤدي دور كائن ابتكره الكبار لعلاج جرحهم، قبل أن يكتشف أن له حياة لا ينبغي أن تظل محصورة في الوظيفة التي صنع من أجلها. ولا يقدم كوري إيدا فيلمه باعتباره تحذيرا مباشرا من الذكاء الاصطناعي، ولا يتعامل مع التكنولوجيا كشر مطلق، بل يرى فيها احتمالا إنسانيا ملتبسا؛ فقد تمنح المفجوعين إنسانيا مؤقتا، لكنها لا تستطيع إلغاء الموت، كما لا يمكنها إعادة العلاقة القديمة بالضبط كما كانت.

لا يدور “خروف في صندوق” في جوهره حول قدرة الآلة على تقليد الإنسان، بقدر ما يدور حول قدرة الإنسان على ترك من يحب يرحل. فالروبوت يدخل البيت حاملًا وجه الطفل المفقود وصوته، لكنه يجبر الأسرة في النهاية على فهم حقيقة أكثر صعوبة، وهي أن الحب لا يضمن بقاء صاحبه، وأن تجاوز الفقد لا يعني محو الغائب، وإنما العثور على مكانا له في الذاكرة يسمح للأحياء بمواصلة حياتهم.

شاركها.
اترك تعليقاً

عاجل