يميل كثيرون إلى تصفح توقعات الأبراج مع بداية يومهم، بحثا عن رسالة تبعث على الطمأنينة أو إجابة عن سؤال يشغلهم. وما إن يقرأ أحدهم عبارة مثل: “اليوم يحمل لك فرصة قد تغير حياتك”، حتى يشعر بأنها تصفه شخصيا، رغم أنها صياغة عامة يمكن أن تنطبق على ملايين الأشخاص.

ويفسر علم النفس هذا الإحساس بما يعرف بـ”تأثير فورير” أو “تأثير بارنوم”، وهو ميل الإنسان إلى الاعتقاد بأن الأوصاف العامة والغامضة تنطبق عليه بشكل دقيق.

اقرأ أيضا

list of 4 itemsend of list

ما تأثير بارنوم؟

يشير تأثير بارنوم إلى ميل الناس إلى تقبل الأوصاف الشخصية العامة باعتبارها دقيقة وتعكس شخصياتهم، ووفق موقع (فري ويل مايند)، يعد هذا التأثير أحد أشكال التحيز المعرفي، وهو نمط من التفكير يدفع الأشخاص إلى تفسير المعلومات من خلال تجاربهم وتوقعاتهم الشخصية بدلا من تقييمها بمنطق وموضوعية.

ولهذا السبب قد تبدو عبارة مثل “ستحقق هدفك قريبا” وكأنها رسالة شخصية، رغم أنها تنطبق على أي شخص تقريبا، ويزداد هذا الميل لدى من يمرون بظروف صعبة أو يشعرون بالقلق تجاه المستقبل، إذ يصبحون أكثر استعدادا للبحث عن أي إشارة تمنحهم الأمل أو تخفف عنهم ضغط التفكير.

ولا يقتصر هذا التأثير على الأبراج وقراءة الكف، بل يمتد إلى اختبارات الشخصية ومقاطع الفيديو القصيرة ومنشورات وسائل التواصل الاجتماعي وحتى بعض الرسائل التسويقية.

تجربة فورير.. الدليل العلمي على تأثير بارنوم

يُنسب اسم “تأثير بارنوم” إلى رجل الاستعراض الأمريكي بي. تي. بارنوم، الذي اشتهر بقدرته على إقناع جمهوره بأنه يعرف عنهم أكثر مما يعرفونه هم عن أنفسهم. لكن أول إثبات علمي لهذه الظاهرة جاء عام 1949 على يد عالم النفس الأمريكي بيرترام فورير.

فقد طلب فورير من طلابه الخضوع لاختبار للشخصية، ووعد كل واحد منهم بتحليل نفسي أعد خصيصا له. وبعد أيام، سلم جميع الطلاب الوصف نفسه، وهو مجموعة من العبارات العامة والمبهمة المقتبسة من كتاب عن الأبراج، تضمنت جُملا مثل: “لديك حاجة لأن يحبك الآخرون ويعجبوا بك، ومع ذلك تميل إلى انتقاد نفسك. تمتلك قدرات لم تستغلها بعد، وأحيانا تكون منفتحا واجتماعيا، بينما تميل في أوقات أخرى إلى الانطواء”.

ورغم أن جميع الطلاب تلقوا الوصف نفسه، فإن معظمهم رأوا أنه يعكس شخصياتهم بدقة. وعندما طلب منهم فورير تقييم مدى دقة التحليل، بلغ متوسط التقييم 4.26 من 5، وهو ما أظهر مدى استعداد الإنسان لتصديق الأوصاف العامة عندما يعتقد أنها صممت خصيصا له.

وبعد نحو عقد من الزمن، صاغ عالم النفس الأمريكي بول ميهل مصطلح “عبارات بارنوم” للتعبير عن انتقاده لاستخدام بعض المختصين عبارات فضفاضة وعامة في تشخيص المرضى وتحليل شخصياتهم، وهي عبارات تشبه في طبيعتها ما استخدمه بارنوم لجذب جمهوره، وما استخدمه فورير في تجربته. ومنذ ذلك الحين، أصبح هذا التحيز المعرفي يعرف على نطاق واسع باسم “تأثير بارنوم”.

لماذا ينخدع معظم الناس بتأثير بارنوم؟

لا يعتمد تأثير بارنوم على العبارات وحدها، بل يستغل طريقة عمل الدماغ واحتياجاتنا النفسية، مثل:

الرغبة في رؤية أنفسنا بصورة إيجابية: توضح المعالجة النفسية، ناتاشا ديوك لموقع (كليفلاند كلينك)، أن البشر يميلون بطبيعتهم إلى تصديق المعلومات التي تعزز صورتهم الذاتية، حتى وإن لم تكن دقيقة، كذلك يكونون أكثر استعدادا لقبول العبارات الإيجابية، يدعم ذلك مراجعة منهجية نشرت عام 1985 خلصت إلى أن قبول الأشخاص للأوصاف العامة يزداد عندما تكون إيجابية ويعتقدون أنها أعدت خصيصا لهم، أو عندما تصدر عن شخص ينظرون إليه باعتباره خبيرا أو صاحب معرفة.
الهروب من عبء التفكير: وفق ما نقله موقع (فري ويل مايند)، يشير الطبيب النفسي، إدوارد راتوش، إلى أن الدماغ يفضل الوصول إلى استنتاجات سريعة بدلا من تحليل كل معلومة بعمق، ولهذا يفسر كثيرون العبارات الواردة في الأبراج أو التوقعات وفق مشاعرهم وتجاربهم، فيشعرون أنها تصفهم تماما.

لا يقتصر تأثير بارنوم على قراءة الأبراج، بل يمتد إلى مواقف حياتية مختلفة (بيكسلز) (بيكسلز)

أمثلة على تأثير بارنوم

لا يقتصر تأثير بارنوم على الأبراج أو التنجيم، بل يظهر في مواقف يومية كثيرة، من أبرزها:

توقعات الأبراج: الاعتقاد بأن الأبراج مرتبطة بحياتك وتقدم لك نصائح تناسب ظروفك.

اختبارات الشخصية السريعة: ينتشر على الإنترنت اختبارات تعد بالكشف عن الشخصية أو الميول، ورغم أن نتائجها غالبا ما تكون عامة، فإن كثيرون يشعرون بأنها تعبر عنهم بدقة.

العرافون وقراء الكف وأوراق التارو: يعتمد العرافون على عبارات فضفاضة تنطبق على معظم الناس مثل “لقد مررت بخسارة ومازلت متأثرا بها” ومع ذلك يربطها الشخص بتجاربه ويعتقد أنها تكشف تفاصيل حياته.

توهم المرض: قد يقرأ الشخص أو يسمع عن أعراض مرض معين، ويبدأ بالاعتقاد بأنه مصاب به، مع أن هذا الوصف قد ينطبق على العديد من الأمراض.

التسويق وكتب تطوير الذات: تستخدم بعض الحملات التسويقية وكتب المساعدة الذاتية عبارات مرنة، تمنح القاريء انطباعا بأنها تتحدث عنه شخصيا، ما يزيد من اقتناعه بالرسالة أو المنتج.

كيف يؤثر تأثير بارنوم على حياتنا؟

لا يقتصر تأثير بارنوم على قراءة الأبراج، بل يمتد إلى مواقف حياتية مختلفة، إذ قد يدفع بعض الأشخاص إلى اتخاذ قرارات تتعلق بصحتهم أو أموالهم أو علاقاتهم اعتمادا على أوصاف أو توقعات عامة لا تستند إلى أي دليل علمي.

ومن أبرز آثاره المحتملة:

زيادة قابلية التعرض للاحتيال: إذ يصبح الشخص أكثر ميلا إلى تصديق من يدّعي امتلاك معرفة خاصة بشخصيته أو مستقبله، ما قد يجعله فريسة لعمليات الاحتيال أو الاستغلال المالي والعاطفي.

تعزيز انتشار العلوم الزائفة: يساعد هذا التأثير على منح قدر من المصداقية لممارسات وادعاءات تفتقر إلى الأدلة العلمية، مثل بعض أساليب التنجيم أو تحليل الشخصية غير الموثقة.

إضعاف التفكير النقدي: فكلما ازداد اقتناع الفرد بأن الأوصاف العامة تنطبق عليه بصورة دقيقة، تراجعت قدرته على تقييم المعلومات بموضوعية والتمييز بين ما يستند إلى الأدلة وما يعتمد على الإيحاء والانطباعات العامة.

قبل تصديق أي ادعاء عن شخصيتك أو مستقبلك، اسأل نفسك: هل يستند إلى أدلة علمية موثوقة
قبل تصديق أي ادعاء عن شخصيتك أو مستقبلك، اسأل نفسك: هل يستند إلى أدلة علمية موثوقة (بيكسلز)

كيف تتجنب الوقوع في فخ تأثير بارنوم؟

الوعي بهذه الظاهرة: فمجرد معرفة أن الدماغ يميل إلى تصديق الأوصاف العامة عندما تبدو شخصية، يجعلك أكثر قدرة على اكتشافها وعدم الانخداع بها.

التعامل مع التوتر: تشير الأبحاث إلى أن الضغوط النفسية قد تزيد من ميل الإنسان إلى البحث عن الطمأنينة في الرسائل المبهمة، لذلك فإن إدارة التوتر قد تقلل من هذا التأثير.

التحقق من مصدر المعلومات: قبل تصديق أي ادعاء عن شخصيتك أو مستقبلك، اسأل نفسك: هل يستند إلى أدلة علمية موثوقة، أم يعتمد على عبارات عامة يمكن أن تنطبق على أي شخص؟

ممارسة التفكير النقدي: تجنب اتخاذ قرارات مهمة تتعلق بصحتك أو أموالك أو علاقاتك بناء على توقعات الأبراج أو ادعاءات العرافين، واحرص على الاستناد إلى معلومات موثوقة وأدلة قابلة للتحقق.

وأخيرا، فقد يفيدك استشارة مختص في الصحة النفسية إذا أصبحت الأبراج وتوقعات العرافين مرجعا لاتخاذ قراراتك.

شاركها.
اترك تعليقاً

عاجل