لم يكن خطاب الرئيس الأمريكي دونالد ترمب يوم الخميس الماضي حول التدخل الأجنبي في الانتخابات الأمريكية مجرد إعلان عن مخاوف تتعلق بأمن العملية الانتخابية، بل تحول إلى جزء من معركة سياسية داخل البيت الأبيض وخارجه حول كيفية استخدام قضية نزاهة الانتخابات قبل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل.
وتناولت صحف أمريكية وبريطانية كواليس إعداد الخطاب، وحللت مراميه السياسية غير المعلنة.
اقرأ أيضا
list of 2 itemsend of list
وكشفت صحيفة بوليتيكو الأمريكية أن الأيام التي سبقت خطاب ترمب شهدت خلافات داخل الإدارة بشأن مستوى التصعيد الذي ينبغي أن يتضمنه.
صيغة الخطاب
فقد دفع بيل بولتي، القائم بأعمال مدير الاستخبارات الوطنية وأحد المقربين من الرئيس، باتجاه الكشف عن أسماء مسؤولين استخباراتيين اتهمهم بإخفاء معلومات عن تدخلات انتخابية مزعومة، لكن كبار مسؤولي البيت الأبيض عارضوا الخطوة خشية أن يؤدي نشر أسمائهم إلى تعريضهم للاستهداف أو تهديد حياتهم.
وأشارت الصحيفة إلى أن تدخل رئيسة موظفي البيت الأبيض سوزي وايلز ومسؤولين آخرين أدى إلى إخراج الخطاب بصيغة أكثر تحفظًا مما كان بعض مساعدي ترمب يخشونه.
فقد رأوا أن مهاجمة أجهزة الاستخبارات بشكل مباشر قد تضعف الرسالة التي أراد الرئيس إيصالها حول وجود ثغرات في النظام الانتخابي.
وفي النهاية تراجع بولتي عن فكرة كشف الأسماء بعدما أدرك، وفقا لمسؤولين نقلت عنهم الصحيفة، خطورة هذه الخطوة.
وذكرت التغطيات أن ترمب استند في خطابه إلى وثائق رفعت عنها السرية قال إنها تكشف نقاط ضعف خطيرة في الانتخابات الأمريكية، خصوصا مزاعم عن حصول الصين على بيانات ناخبين ومخاطر أجهزة التصويت الإلكترونية.

لا دليل حاسم
لكن بوليتيكو أوضحت أن هذه الوثائق لم تقدم دليلا جديدا حاسما على وجود حملة صينية واسعة غيّرت أصواتًا أو نتائج في انتخابات عام 2020، بل عكست خلافات سابقة داخل أجهزة الاستخبارات حول طبيعة النشاط الصيني.
وفي ملف أجهزة التصويت، نقلت بوليتيكو عن خبراء الانتخابات تحذيرهم من أن الخطر الأكبر لا يكمن في وجود ثغرات تقنية، إذ لا يخلو منها أي نظام إلكتروني تقريبًا، بل في استخدام هذه الثغرات لنشر الشكوك حول الانتخابات بأكملها.
وأكد الخبراء أنه لا توجد أدلة على أن أجهزة التصويت الأمريكية اختُرقت على نحو غيّر أصواتًا أو أثّر في نتائج الانتخابات.
وأوضحت الصحيفة أن الولايات الأمريكية عززت خلال السنوات الماضية أمن الانتخابات بعد الهجمات الروسية على قواعد بيانات الناخبين عام 2016، من خلال الاعتماد بشكل أكبر على بطاقات الاقتراع الورقية أو الأنظمة التي توفر سجلا ورقيا يمكن مراجعته.
كما أن الطبيعة اللامركزية للنظام الانتخابي الأمريكي، حيث تدير الولايات والمقاطعات عمليات التصويت بصورة مستقلة، تجعل تنفيذ عملية تزوير واسعة النطاق أمرا بالغ الصعوبة.
الخطاب قد يكون محاولة لتهيئة الظروف السياسية والقانونية لإعلان حالة طوارئ خلال فترة الانتخابات
تأثير سياسي خطير
لكن الخبراء يرون أن التأثير السياسي لخطاب ترمب قد يكون أخطر من أي تهديد تقني، لأن التشكيك المستمر في نزاهة الانتخابات يمكن أن يؤدي إلى فقدان الثقة بالنتائج ورفض قبولها مستقبلا.
وأشارت بوليتيكو إلى أن إدارة ترمب قد تسعى إلى فرض إجراءات جديدة على الولايات قبل الانتخابات، من بينها ربط بعض المساعدات الفيدرالية بالتزامها بمتطلبات أمنية جديدة، وهو ما أثار اعتراضات قانونية من مسؤولين انتخابيين أكدوا أن إدارة الانتخابات من اختصاص الولايات.
أما صحيفة إندبندنت البريطانية، فيرى كاتبها شون أوغرادي أن خطاب ترمب فقد جزءا كبيرا من تأثيره السياسي بسبب تكرار الرئيس لادعاءات سبق أن طرحها، مشيرا إلى أن اتهام الصين بالتدخل في الانتخابات كان يمكن أن يمثل أزمة وطنية كبرى في عهود سابقة، لكنه أصبح بالنسبة لكثير من الأمريكيين ووسائل الإعلام خطابا متكررا يستخدم لأهداف سياسية.
ادعاءات ترمب
ويقول أوغرادي إن رفض بعض الشبكات التلفزيونية الأمريكية بث الخطاب يعكس تراجع الثقة في ادعاءات ترمب، معتبرا أن المشكلة الأساسية ليست فقط في مضمون الاتهامات، بل في استخدامها المتكرر لتقويض الثقة بالانتخابات التي يخسرها.
ويربط الكاتب بين خطاب ترمب الحالي بشأن الصين وبين محاولاته السابقة للطعن في نتائج انتخابات عام 2020.
وتقدم صحيفة غارديان البريطانية قراءة أكثر حدة للأبعاد السياسية للخطاب، إذ ترى الكاتبة أروى مهداوي أن ترمب لا يكتفي بالحديث عن التدخل الأجنبي، بل يسعى إلى إضعاف الثقة بالنظام الانتخابي نفسه.
وتشير إلى أن الرئيس عاد إلى خطاب المظلومية والحديث عن المؤامرات، وأن تكرار هذه الادعاءات قد يؤدي إلى تقويض إيمان الناخبين بسلامة العملية الديمقراطية.
الانتخابات المقبلة
وترى غارديان أيضا أن خطاب ترمب يأتي ضمن سلسلة خطوات قد تؤثر في انتخابات نوفمبر/تشرين الثاني القادم، تبدأ بإضعاف الثقة بالانتخابات، ثم إضعاف المؤسسات المستقلة المشرفة عليها، مشيرة إلى إقالة أعضاء لجنة المساعدة الانتخابية الأمريكية، وهي هيئة مكونة من الحزبين تقدم إرشادات لإدارة الانتخابات.
كما تتناول الصحيفة مشروع قانون “إنقاذ أمريكا” الذي يدعو إلى إلزام الناخبين بتقديم إثباتات وثائقية على الجنسية عند التسجيل للتصويت، محذرة من أن هذه الإجراءات قد تصعب مشاركة ملايين الناخبين المؤهلين الذين لا يمتلكون الوثائق المطلوبة.
الأكثر إثارة للقلق
أما النقطة الأكثر إثارة للقلق، فتتعلق بما تراه غارديان احتمالا للجوء إلى إجراءات استثنائية إذا واجه الجمهوريون خسارة كبيرة في انتخابات التجديد النصفي المقبلة.
وتنقل الصحيفة عن تاي كوب، العضو السابق في الفريق القانوني لترمب، اعتقاده بأن الخطاب قد يكون محاولة لتهيئة الظروف السياسية والقانونية لإعلان حالة طوارئ خلال فترة الانتخابات.
كما تشير إلى مخاوف من استخدام مثل هذه الصلاحيات للسيطرة على أجهزة التصويت أو نشر قوات الحرس الوطني بما قد يؤثر في العملية الانتخابية.
وفي تحليل للكاتب سام ليفين، توضح غارديان أن ترمب استخدم موقع الرئاسة وأجهزة الاستخبارات لمنح مزاعم التدخل الانتخابي وزنا رسميا، لكنه لم يقدم أدلة حاسمة على أن الصين حاولت تغيير نتيجة انتخابات عام 2020.
كما أن الوثائق التي نشرها البيت الأبيض، بحسب الصحيفة، لم تكشف معلومات جديدة جوهرية، بل ساهمت في خلق حالة من الغموض حول الحقائق.
وتخلص تغطيات هذه الصحف إلى أن المعركة حول أمن الانتخابات تتجاوز مسألة التدخل الأجنبي لتصبح صراعا حول مستقبل الثقة بالنظام الديمقراطي الأمريكي.
فبينما يؤكد ترمب وأنصاره أنهم يدافعون عن نزاهة الانتخابات، يرى منتقدوه أن تضخيم المخاطر دون أدلة كافية قد يتحول إلى أداة سياسية لإضعاف المؤسسات والطعن في أي نتائج لا تخدم مصالحه.
