لاقى ⁠قيام باكستان بالوساطة للتوصل إلى اتفاق لوقف حرب إيران إشادة دبلوماسية واسعة النطاق، ربما تجلب لإسلام اباد بعض المكاسب الاقتصادية، لكن المحللين يتساءلون عما إذا كانت هذه المكاسب ستساعد في معالجة نقاط الضعف الهيكلية في اقتصادها.

وحضر رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف وقائد الجيش عاصم منير المحادثات بين إيران والولايات المتحدة في منتجع “بورجنشتوك” الجبلي السويسري في مطلع ⁠الأسبوع، في تتويج لدور باكستان الذي استمر شهورا في واحدة من أكثر المفاوضات الدبلوماسية أهمية في العالم في الوقت الراهن.

اقرأ أيضا

list of 4 itemsend of list

واستقبل جيه.دي فانس نائب الرئيس الأمريكي عاصم منير بحفاوة بالغة عند وصوله للمنتجع السويسري. كما يرتبط منير وشريف بعلاقة جيدة مع رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف.

ووجه طرفا الحرب، إلى جانب عدد من قادة العالم، الشكر إلى إسلام اباد على مساعدتها في تخفيف حدة صراع كان من الممكن أن ببقي على مضيق هرمز مغلقا فترة طويلة، ويخنق إمدادات النفط، ويزيد من الضغوط على ⁠الاقتصاد العالمي.

جي دي فانس استقبل منير بحفاوة بالغة (غيتي)

مكاسب محتملة

ويقول محللون لرويترز إن البلد البالغ عدد سكانه 250 مليون نسمة لديه فرصة لتحويل هذا الزخم الإيجابي إلى بعض المكاسب لاقتصاد تأرجح بين الانتعاش والانكماش على مدى عشرات السنين.

لكنهم قالوا إن أي فوائد من غير المرجح أن تعالج المشكلات البنيوية الأعمق التي دفعت إسلام آباد إلى الاتفاق مع صندوق النقد الدولي على عدة برامج للحصول على قروض ومساعدات لدعم اقتصادها.

وبلغ الناتج المحلي لباكستان 371 مليار دولار عام 2024، وفق آخر الأرقام المتاحة من البنك الدولي، ولم تتجاوز نسبة النمو 3%، في حين كانت نسبة التضخم 12.6% في نفس العام.

وأوضح تقرير لموقع “مودرن دبلوماسي” أن أبرز مشكلات الاقتصاد الباكستاني تشمل ما يلي:

  • انخفاض تحصيل الضرائب وضيق القاعدة الضريبية
  • ارتفاع الديون الخارجية
  • الاعتماد المتكرر على صندوق النقد الدولي
  • ضعف القدرة التنافسية للصادرات
  • عجز كبير في الموازنة العامة
  • توزيع غير متكافئ للدخل في المجتمع.
Iran's Parliamentary Speaker Mohammad Bagher Qalibaf, right, meets Pakistan's Army Chief Field Marshal Asim Munir in Tehran, Iran, Thursday, April 16, 2026. (Hamed Malekpour/ICANA via AP)
منير على علاقة جيدة مع رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف (أسوشيتبرس)

كما يشير تقرير موقع “موردن دبلوماسي” إلى أن الفوائد الاقتصادية المحتملة لباكستان بعد وساطتها لوقف حرب إيران تشمل ما يلي:

  • توسيع التجارة مع إيران في حال تخفيف العقوبات
  • تعزيز العلاقات الاستثمارية مع دول الخليج
  • سهولة الوصول إلى الأسواق الغربية
  • فرص أوسع لمشاريع البنية التحتية والطاقة
  • إمكانية التعاون بشكل أوسع في قطاعي الدفاع والتكنولوجيا مع دول المنطقة.

وفي السياق قال ‌خُرم شهزاد، مستشار وزير المالية الباكستاني، حسب رويترز، “الأمة التي تحقق الاستقرار في الداخل وتساعد في تعزيز الاستقرار في الخارج تصبح وجهة أكثر مصداقية للاستثمار”.

وأضاف “جدول الأعمال الاقتصادي الموجه نحو النمو، إلى جانب السمعة بوصفها قوة للسلام والاستقرار، يضعان باكستان في موقع موات بشكل فريد لجذب الاستثمار إلى شعبها وبنيتها التحتية والتكنولوجيا وقطاعات النمو المستقبلية”.

ويتوقع كثير من المحللين بعض السخاء من الولايات المتحدة، لكن لم تظهر بعد أي مؤشرات على مكاسب مفاجئة من هذا النوع.

International Monetary Fund (IMF) Managing Director Kristalina Georgieva speaks at a news conference during the World Bank/IMF Spring Meetings at the IMF headquarters in Washington, Wednesday, April 15, 2026. (AP Photo/Jose Luis Magana)
مديرة صندوق النقد كريستالينا جورجيفا أقرت عدة برامج مساعدات لباكستان (أسوشيتدبرس)

شراكات اقتصادية أوسع

وقال أليكس فاتانكا، الزميل الأول ومدير برنامج إيران في معهد الشرق الأوسط بواشنطن، إن أحد المكاسب بالنسبة إلى باكستان تتمثل في “الإمكانات الكبيرة لأن تصبح جزءا أكثر اندماجا في الشرق الأوسط الأوسع”، وأن تمضي في نهاية المطاف نحو إقامة شراكات اقتصادية أوسع في المنطقة تشمل أيضا الدفاع.

ومن جانبه قال وزير المالية الباكستاني السابق مفتاح إسماعيل إن احتمالا آخر يتمثل في أن تخفيف العقوبات عن إيران ربما يتيح “تجارة ضخمة بين إيران وباكستان”، خصوصا عبر حدودهما البرية في منطقة بلوشستان.

واضاف إسماعيل أن ⁠الدور الدبلوماسي عزز مكانة باكستان الدولية، لكن ذلك لم يؤثر على التكاليف المرتفعة والصادرات المنخفضة والديون الخارجية التي يجب أن تسدد وتبقيها معتمدة على صندوق النقد الدولي.

وأضاف “أوضاعنا الداخلية في حالة فوضى لدرجة أن الأجانب لن يستطيعوا حقا مساعدتنا ما لم نساعد أنفسنا. ولا شيء في هذه الحرب يغير ذلك، وسنظل معتمدين باستمرار على ⁠صندوق النقد الدولي”.

تجارب سابقة

وساعد التحالف مع واشنطن، بعد هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001 وغزو الولايات المتحدة لأفغانستان، في ضمان إعادة جدولة ⁠ديون أكثر من 12 دائنا لباكستان وتجديد الدعم من صندوق النقد الدولي، ومقرضين متعددي الأطراف آخرين، بالإضافة إلى المساعدة الأمريكية. لكن محللين قالوا إن باكستان لم تستفد من ⁠ذلك بسبب نقاط ضعف هيكلية في اقتصادها.

وقال المحلل الاقتصادي والصحفي خورام حسين إن الوضع الحالي يشبه ما كان عليه بعد أحداث 11 سبتمبر/أيلول، لكن مع اختلاف جوهري واحد، هو أن تلك اللحظة كانت في “بداية حرب طويلة ومدمرة اضطرت فيها باكستان إلى لعب دور على الخطوط الأمامية”، لكنها هذه المرة “تلعب دور صانع السلام”.

ويعني اختلاف الأدوار هذا أن نفوذ باكستان هذه المرة ينبع من كونها مفيدة لأطراف متعددة في آن واحد، هي الولايات المتحدة وإيران ودول الخليج وتركيا والصين.

وقدم هاميش فالكونر وزير شؤون الشرق الأوسط البريطاني الشكر لإسلام اباد على دورها في حفظ السلام خلال زيارة قام بها الأسبوع الماضي. وقال لرويترز إن بريطانيا ترى “مجالا واسعا لتوطيد العلاقات التجارية” مع باكستان، وإن من المتوقع أن يزورها وزير التجارة البريطاني في الأشهر المقبلة.

Pakistani paramilitary soldiers move ahead of a Shiite Muslim's procession in the mourning month of Muharram in Quetta, Pakistan, Tuesday, June 23, 2026. (AP Photo/Arshad Butt)
نفقات الدفاع تمثل جانبا هاما من النفقات العامة لباكستان (أسوشيتدبرس)

“ليست مسارا للقروض”

وفي السياق ذاته قال عاطف ميان أستاذ الاقتصاد والسياسة العامة والمالية في جامعة برينستون إن على باكستان تجنب التعامل مع الدبلوماسية باعتبارها “مسارا آخر للحصول على ودائع أو تجديد قروض أو إغاثة” على غرار تلك التي يقدمها صندوق النقد الدولي.

وأشار إلى أن المكسب الحقيقي هو أن تكون “محورا للسلام”، خارجيا وداخليا، القائم على التجارة الإقليمية والعلاقات في مجال الطاقة مع إيران والتكامل الأعمق مع ‌دول ‌الخليج وتركيا عن طريق التصدير ونقل التكنولوجيا وترابط الصناعات.

وقال عاصم إعجاز خواجة الأستاذ بجامعة هافارد ومدير مركز هارفارد للتنمية الدولية إن باكستان يجب أن تقاوم التنازلات

المالية ⁠قصيرة الأجل التي لا ترفع الإنتاجية.

وذكر أن باكستان يجب أن تسعى بدلا من ذلك إلى التبادل الأكاديمي والمنح الدراسية والوصول التفضيلي إلى أسواق المنسوجات وخدمات تكنولوجيا المعلومات ونقل التكنولوجيا وأطر الاستثمار الصديقة للبيئة.

وذكر محللون أن أي مكاسب اقتصادية جديدة لن تحل المشكلات الأكبر التي تواجهها باكستان.

وأوضح عديل مالك الأستاذ المشارك في اقتصاديات التنمية بجامعة أكسفورد أن “البلاد معرضة لانهيار داخلي في العقود المقبلة ما لم تنفذ الإصلاحات الهيكلية”.

وأضاف “هناك شكاوى متجذرة وسط الشبان والطبقة الوسطى المنكمشة من النخبة الحاكمة في باكستان. ومنح النظام السائد النخب الحاكمة فرصة أخرى للبقاء، لكنه جعل البلاد تعاني من انعدام الأمن الاجتماعي والاقتصادي”.

شاركها.
اترك تعليقاً

عاجل