يتناول المحلل العسكري في صحيفة كالكاليست الإسرائيلية نيتزان سادان آلية عمل المسيّرة الإيرانية “صقر 358” التي دمرت مروحية أباتشي أمريكية وعشرات المسيّرات الأمريكية والإسرائيلية فوق إيران واليمن ولبنان.

تبدأ القصة -بحسب سادان- في شتاء عام 2019، وسط أمواج خليج عدن، عندما كانت المدمرة الأمريكية فورست شيرمان تطارد قارب صيد يمنيا بأقصى سرعة، إذ اشتبهت الاستخبارات في أن السفينة كانت تهرّب سلاحا إيرانيا غير مألوف إلى الحوثيين.

اكتشف الجنود الأمريكيون عندما صعدوا على متن القارب اليمني طائرة مسيّرة غير تقليدية تشبه الصاروخ، وتتصرف مثل لغم، وبدت أكبر تهديد للطائرات المسيّرة الأخرى في الشرق الأوسط، كما يقول سادان.

“صقر 358″ المعروف في اليمن بـ”صقر 1” خلال عرض عسكري في صنعاء (الصحافة الإيرانية)

 

ويضيف المحلل العسكري الإسرائيلي أن تلك المسيّرة أسقطت مسيّرة إسرائيلية في أجواء لبنان، ودمرت عشرات المسيّرات الأمريكية في اليمن وإيران، واعترضت الأسبوع الماضي مروحية أباتشي من أحدث طرازاتها، في سابقة عالمية لإسقاط مروحية قتالية بواسطة طائرة مسيّرة ذاتية القيادة.

ما هي “صقر 358″؟

تُعرف المسيّرة باسم “صقر 358″، وهي سلاح طورته إيران بمدى 100 كيلومتر وتكلفة زهيدة ودون الحاجة إلى بنية تحتية ضخمة ومعقدة، عبر سلاح جوّال فريد من نوعه قادر على تنفيذ كمائن جوية، باستخدام منصة إطلاق يسهل جدا إخفاؤها وسط المناطق المدنية.

يبلغ قطر المسيّرة “صقر 358” 150 ملم، وطولها 2.7 متر، وتنطلق بواسطة صاروخ طويل ورفيع، ثم تحلق بمحرك نفاث.

وتشير التقديرات إلى أن المحرك المستخدم نسخة مطورة عن محرك “100 تي جيه” التشيكي أو محرك “إيه إم تي تيتان” الهولندي، وهما محركان اقتصاديان للغاية يُستخدمان في تشغيل صواريخ كروز.

يحتوي معظم هيكل “صقر 358” على وقود، مما يمكّنها من الطيران لمسافات طويلة. ويمكن تزويدها بإحداثيات الهدف قبل الإطلاق أو أثناء تحليقها، وهو ما تشير إليه منظومة الاتصالات الكبيرة التي يحملها، كما أنها قادرة أيضا على العثور على الهدف بنفسها.

وتُوجَّه المسيّرة إلى منطقة الهدف باستخدام نظام الملاحة عبر الأقمار الصناعية، كما هو الحال في الطائرات المسيّرة المتفجرة التقليدية، بحسب سادان.

ويضيف “توجد في مقدمة الطائرة كاميرا حرارية ذكية تلتقط البصمة الحرارية للطائرة المعادية، ويقوم نظام التحكم في الطيران بالمناورة بحيث يبقى الهدف في مركز الإطار، وهو نظام توجيه بصري لا يمكن تعطيله إلكترونيا. وعند الاقتراب من الهدف، تُفعَّل مجموعة من المستشعرات البصرية المتصلة بالصاعق (صف العدسات المحيط بالواجهة الأمامية)، ليتم تدميره بشحنة متفجرة وزنها 10 كيلوغرامات”.

ويتابع سادان “في السابق، كنت أعتقد أن هذه المجموعة تُستخدم أيضا للكشف الشامل، لكنني كنت مخطئا، فالكاميرا الأمامية هي التي تحدد موقع الهدف”.

ثلاث طرق للهجوم

وتشير التقديرات إلى أن طائرة “صقر 358” قادرة على الهجوم بثلاث طرق، الأولى هي الهجوم المباشر، إذ تقوم الكاميرا الذكية بالتركيز على الهدف الأرضي، ثم تحلق الطائرة المسيّرة نحوه مباشرة، وهذه الطريقة مناسبة للمدى القصير نسبيا، وتقتصر على مجال رؤية عدسة المستشعر البصري.

أما الثانية فهي الهجوم عبر الأفق، إذ تصل بيانات الهدف إلى “صقر 358” من مستشعر آخر، فتنطلق الطائرة نحوه، وهو ما يُعرف بالهجوم البعيد المدى.

والوضع الثالث هو هجوم الكمين الجوي، حيث تنطلق طائرة “صقر” دون هدف محدد، بل تحلق فوق منطقة معيَّنة، منتظرة وصول هدف ما، ويمكن للمسلحين إطلاقها للدوريات فوق ساحة المعركة ونصب كمين لطائرة استطلاع مسيّرة، ويمكن لجيش العدو إرسالها لتأمين معسكر كبير أو مدينة، وبمجرد ظهور هدف في الأفق تهاجمه “صقر” تلقائيا.

ويتساءل المحلل العسكري الإسرائيلي: لماذا يُعَد كمينا؟ ويجيب: لأن أنبوب الألمنيوم الإيراني الذي يبلغ طوله 2.7 متر له بصمة رادارية صغيرة، ولا يمكن دائما اكتشاف المسيّرة “صقر 358” في الوقت المناسب وتجنبها.

ويوضح “حتى إذا جرى اكتشافها، فقد لا يكون من العملي دائما إرسال وسيلة لاعتراضها أو انتظار نفاد وقودها، وقد يكون الخيار الأفضل تعديل الخطة العملياتية بحيث تتجنب المسيّرات والمروحيات المنطقة المهددة”، مضيفا أن “صقر 358” تربك العمليات حتى من دون أن تشتبك مباشرة مع أهدافها.

لكن هذه ليست المشكلة الرئيسية التي تسببها الطائرات المسيّرة -يقول سادان- فأنظمة الدفاع الجوي التي يصل مداها إلى 100 كيلومتر تعتمد دائما على عمليات الإرسال، فهناك رادار يحدد الهدف، ورادار آخر يتتبعه ويرسل البيانات إلى الصاروخ، وستقوم بطارية الدفاع الجوي بإرسال بيانات التوجيه إلى الصاروخ طوال الطريق حتى إصابة الطائرة.

وهذه الإشارات يمكن اعتراضها ورصدها. فالعالم بأسره يعتمد في عمليات اصطياد الدفاعات الجوية على كشف مواقع الرادارات وتدميرها بصواريخ مضادة للإشعاع مثل صاروخ “هارم” الأمريكي، أو بالمسيّرات الانتحارية المخصصة لهذا الغرض مثل “هاربي” الإسرائيلية.

أما في حالة “صقر 358″، فلا يوجد رادار ولا بث مستمر، ولذلك يصبح من الصعب جدا معرفة أنها موجودة في المنطقة أو أن هناك من يستعد لإطلاقها.

صاروخ ساكر 358 المصدر: حساب MESHKAT على إكس https://x.com/projectmeshkat/status/1572617653734211584?s=20 https://x.com/projectmeshkat/status/1704481354107212189?s=20
زاوية مختلفة لـ”صقر 358″ (الصحافة الإيرانية)

سهولة التشغيل

وبما أنه لا حاجة إلى رادارات، فلا حاجة إلى مكبرات صوت أو منصات إطلاق أو مولدات قوية، فالمسيّرة “صقر 358” هي نظام مستقل يمكنه استقبال الهدف في الموقع عبر تطبيق، وإطلاقه من دون أي بنية تحتية، يطلقها حزب الله من سكة يمكن تثبيتها على أي شاحنة صغيرة.

خصصت إيران سابقا هذا النظام التسليحي للمسلحين والمليشيات المتمركزة بين السكان المدنيين، يقول المحلل الإسرائيلي، مضيفا “لذلك فإن منصة إطلاق صاروخ صقر هي شاحنة خفيفة، تبدو مدنية وبريئة قدر الإمكان. كما تستخدم إيران نفسها أساليب التمويه التي تتبعها المنظمات المسلحة، وتطلق صواريخ صقر من مركبة، لو لم تكن قد رأيتها تُفتح وتُطلق الصاروخ كطائرة مسيّرة، لظننتها شاحنة نقل”.

ويقول سادان إن “صقر 358” يمتاز بسهولة تشغيله، وهو ما منحه شعبية واسعة لدى الحوثيين في اليمن، والمليشيات في العراق، وحزب الله في لبنان. وبفضل هذا السلاح، تمنح إيران المسلحين قدرة متطورة وخطيرة للغاية على الدفاع الجوي، حتى دون شراء بطارية صواريخ باهظة الثمن، ودون إنشاء منظومة تقنية معقدة حوله يصعب إخفاؤها وتكلف الكثير.

ويضيف سادان أن هذا السلاح أثبت نجاحه على أرض الواقع، موضحا أن السجلات الواردة من لبنان تشير إلى إسقاط عدد قليل من طائرات “زيك” الإسرائيلية وعدد محدود من الطائرات المسيّرة. وفي اليمن، أسقطت طائرات “صقر” عشرات المسيّرات الأمريكية من طراز “ريبر”.

وفي السنوات الأخيرة -كما يوضح سادان- أصبح صاروخ “صقر 358” عائلة، فقد أطلقت إيران طراز 359، وهو أكبر حجما وأثقل وزنا، ويحتوي على محرك أقوى، ورأس حربي يمكن استبداله بكاميرا لمهام المراقبة.

ويضيف أن التقديرات تشير إلى أن مداها أطول، إذ يصل إلى 150 كيلومترا، كما أنها قادرة على الوصول إلى ارتفاع 30 ألف قدم بسرعة تقارب 1000 كيلومتر في الساعة. ومن الابتكارات الأخرى وجود مظلة قابلة لإعادة الاستخدام مدمجة، إذا أخطأت الهدف أو فشلت في العثور عليه.

ومع تلك المزايا، ليس من الصعب تهريب الصاروخ المحمول على الكتف، لكنه يعاني قيودا جوهرية -بحسب سادان- أبرزها مداه الذي لا يتجاوز بضعة كيلومترات، لذلك يضطر المهاجمون إلى الاقتراب كثيرا من مسار هبوط الطائرة، وهو ما يعقّد العملية بشكل كبير.

ولكن إذا استُبدل صاروخ “صقر 358” بالصاروخ المحمول على الكتف، فقد يتمكنون من تهديد المسارات الجوية من مسافة آمنة والتأثير في حركة الطيران حتى بالانطلاق من دولة مجاورة.

ما العمل؟

يرى المحلل العسكري الإسرائيلي أنه في البداية يجب العلم بوجود استجابة عملياتية جاهزة، فلكل نظام أسلحة نقاط ضعف، والمسيّرة ليست استثناء، وإن كانت تفاصيل تلك النقاط لا تُذكر لأسباب تتعلق بالأمن.

ويضيف أن هناك سجلات تثبت إسقاط طائرات “صقر 358” على الأرض، ووفقا لتقييم معهد “ألما” للأبحاث في إسرائيل، فقد تم أكثر من مرة رصد طائرات “صقر” وإسقاطها أثناء تحليقها في لبنان ونصبها كمائن للجيش الإسرائيلي.
ثانيا، يراقب خبراء الاستخبارات في العالم جماعة صقر وأمثالها، ويرصدون المليشيات ذات الصلة.

ويخلص سادان إلى إجراءات ينبغي اتخاذها عند التعامل مع هذا التهديد، وهي إجراءات تنطبق على أي جيش، وعلى سبيل المثال، تحسين أنظمة الدفاع ضد الطائرات المسيّرة، والحرص على رصد المؤشرات الاستخبارية لعمليات الطائرات المسيّرة الاعتراضية، والتخطيط الدقيق للمسارات لتقليل الأخطار التي تتعرض لها المروحيات، ودراسة كل عملية موثقة لـ”صقر 358″ دراسة معمقة.

شاركها.
اترك تعليقاً

عاجل