بعد مرور مئة يوم على الأزمة، لم تعد المنطقة أمام سؤال تقليدي من نوع: هل نحن ذاهبون إلى الحرب أم إلى الحل؟ هذا السؤال لم يعد كافيا لفهم طبيعة اللحظة. نحن أمام مشهد أكثر تعقيدا: لا هي حرب شاملة، ولا سلام حقيقي؛ لا قطيعة كاملة، ولا تفاوض طبيعي؛ ولا انتصار واضح، ولا هي هزيمة معلنة. ما يجري هو شكل جديد من أشكال إدارة الصراع، حيث تتحول القوة العسكرية إلى لغة تفاوض، وتتحول الدبلوماسية إلى محاولة لضبط الانفجار لا إلى مشروع لبناء الثقة.

الأزمة بعد مئة يوم دخلت مرحلة يمكن وصفها بالتفاوض تحت النار. الأطراف لا تزال تستخدم التصعيد كوسيلة لتحسين شروطها، لكنها في الوقت نفسه تدرك أن الانزلاق إلى مواجهة شاملة سيكون مكلفا للجميع. الولايات المتحدة لا تريد حربا مفتوحة يصعب التحكم في نهايتها، وإيران لا تريد مواجهة شاملة قد تستنزف قدراتها وتكشف حدود نفوذها، ودول المنطقة لا تريد أن تتحول أراضيها ومياهها ومجالاتها الجوية إلى ساحات رسائل بين واشنطن وطهران. لذلك تبدو الأزمة وكأنها معلقة بين عقلانية التسوية وغريزة التصعيد.

من منظور العلاقات الدولية، ما يحدث يندرج ضمن منطق الدبلوماسية القسرية. فالقوة لا تستخدم هنا فقط من أجل التدمير، بل من أجل الإقناع القسري. كل طرف يريد أن يقول للآخر: إن تكلفة الرفض أعلى من تكلفة التنازل. واشنطن تستخدم الضغط العسكري والاقتصادي والسياسي لإجبار إيران على القبول بتفاهم جديد. وإيران تستخدم الصواريخ، والطائرات المسيرة، وتهديد الممرات البحرية، والضغط عبر الجبهات المتحالفة معها لتقول إنها ليست طرفا يمكن عزله أو كسره دون ثمن. هنا لا تصبح القوة نقيضا للدبلوماسية، بل جزءا منها.

لكن خطورة هذا النوع من الدبلوماسية أنه يقوم على اللعب قرب الهاوية. كل طرف يعتقد أنه قادر على التصعيد بدرجة محدودة، ثم التوقف قبل الانفجار. غير أن التاريخ السياسي يعلمنا أن الأزمات الكبرى لا تنفجر دائما بسبب رغبة واعية في الحرب، بل كثيرا ما تنفجر بسبب خطأ في الحساب، أو سوء في الفهم، أو قراءة خاطئة لحدود الطرف الآخر. قد تكون الضربة عند طرف مجرد رسالة ضغط، لكنها تقرأ عند الطرف الآخر كإهانة أو تهديد يستوجب الرد. هنا يتحول التصعيد المحسوب إلى سلسلة تفاعلات يصعب إيقافها.

الأزمة لم تعد نووية فقط. هذا أحد أهم التحولات بعد مئة يوم. في بدايتها، كان يمكن تقديمها للرأي العام باعتبارها أزمة حول البرنامج النووي الإيراني أو العلاقة الأمريكية الإيرانية المعقدة. أما اليوم، فقد أصبحت أزمة شاملة تتداخل فيها ملفات مضيق هرمز، وأمن الطاقة، والعقوبات، والأموال المجمدة، والبرنامج الصاروخي، والجبهات الإقليمية، وأمن الخليج، ودور إسرائيل، والتوازنات داخل النظام الدولي. هذا التوسع يجعل الحل أكثر صعوبة، لأن كل ملف يفتح ملفا آخر، وكل تنازل في ساحة قد يفسر كضعف أو تنازل في ساحة أخرى.

مضيق هرمز يمثل قلب الأزمة الرمزي والإستراتيجي. فهو ليس مجرد ممر مائي، بل ورقة ضغط على الاقتصاد العالمي. من يهدد هرمز لا يهدد خصمه فقط، بل يهدد أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد وثقة العالم في استقرار التجارة الدولية. ولذلك، فإن أي تفاهم لا يتعامل مع هرمز بوصفه مسألة أمن دولي، وليس مجرد ورقة إيرانية أو أمريكية، سيكون تفاهما هشا. فالمضيق أصبح عنوانا أوسع لسؤال جوهري: من يملك حق تنظيم الأمن في المنطقة؟ وهل يدار الأمن الإقليمي عبر القوة المنفردة، أم عبر ترتيبات جماعية أكثر توازنا؟ ومن يكون ضمنها؟

في المقابل، لا تبدو الحرب الشاملة هي الخيار الأكثر عقلانية في هذه المرحلة. القوة العسكرية الأمريكية قادرة على إلحاق ضرر كبير بإيران، لكنها لا تضمن نهاية سياسية مستقرة. فالتفوق العسكري لا يعني القدرة على هندسة نتائج سياسية بسهولة. وإيران، من جهتها، قادرة على الإضرار بالمصالح الأمريكية والإقليمية، لكنها لا تستطيع تحمل حرب طويلة مفتوحة مع قوة عظمى وشبكة واسعة من الحلفاء. لذلك، يفضل الطرفان البقاء ضمن مساحة الحرب المحدودة: ضربات، ردود، تهديدات، وسطاء، ثم عودة إلى التفاوض.

هذا لا يعني أن التصعيد مستبعد. العكس هو الصحيح. التصعيد المحدود سيظل جزءا من الأزمة، وربما يكون جزءا من الحل أيضا. فالأطراف تحتاج إلى التصعيد أحيانا كي تثبت لجمهورها الداخلي أنها لم تتراجع. هنا تظهر أهمية ما يسميه علماء العلاقات الدولية بلعبة المستويين: القائد لا يفاوض خصمه الخارجي فقط، بل يفاوض جمهوره الداخلي، ومؤسساته الأمنية، وحلفاءه، وخصومه السياسيين. أي اتفاق لا يحتاج فقط إلى قبول الطرف الآخر، بل يحتاج أيضا إلى سردية داخلية تبرره.

هذه هي عقدة حفظ ماء الوجه. واشنطن لا تستطيع قبول اتفاق يبدو وكأنه مكافأة لإيران بعد التصعيد. وإيران لا تستطيع قبول اتفاق يبدو وكأنه استسلام بعد مئة يوم من التحدي. وإسرائيل لا تريد تفاهما يمنح إيران فرصة لإعادة التموضع. ودول المنطقة لا تريد اتفاقا يتم فوق رؤوسها ثم تترك وحدها أمام تداعياته الأمنية. لذلك، فإن أصعب ما في الأزمة ليس صياغة البنود الفنية، بل صياغة الرواية السياسية التي تسمح لكل طرف بأن يقول: لم أخسر.

من هنا، يبدو السيناريو الأول والأكثر ترجيحا هو تسوية مؤقتة وناقصة. هذه التسوية قد لا تنهي الأزمة، لكنها تمنع انفجارها. قد تقوم على وقف أوسع للهجمات، فتح أو تأمين الملاحة في هرمز، ترتيبات مؤقتة للرقابة النووية، تخفيف محدود للعقوبات، وربما معالجة جزئية للأموال المجمدة. هذا النوع من الاتفاقات لا يبني سلاما، لكنه يشتري وقتا. وفي أزمات الشرق الأوسط، شراء الوقت قد يكون أحيانا الهدف الواقعي الوحيد قبل الوصول إلى ترتيبات أعمق.

السيناريو الثاني هو استمرار الوضع الحالي: لا حرب شاملة ولا حل نهائيا. وهذا سيناريو مرهق، لكنه ممكن جدا. تستمر المفاوضات، وتستمر الضربات المحدودة، وتستمر التهديدات، وتعيش المنطقة في حالة توتر دائم. هذا النمط قد يبدو قابلا للإدارة في المدى القصير، لكنه خطير في المدى المتوسط. لأنه يطبع مبدأ لا استقرار، ويجعل المجتمعات والأسواق والدول في حالة انتظار مستمر للضربة التالية. كما أنه يمنح المتشددين في كل طرف فرصة لإفشال أي مسار دبلوماسي.

السيناريو الثالث هو التصعيد الواسع بفعل خطأ حسابي. هذا ليس السيناريو الأكثر احتمالا، لكنه الأكثر خطورة. قد يحدث إذا سقط عدد كبير من المدنيين، أو استهدفت منشأة حيوية، أو قتل جنود أمريكيون، أو توسعت الجبهة اللبنانية، أو قررت إسرائيل أن أي تفاهم محتمل يضر بأمنها. في هذه الحالة، قد تتغير قواعد اللعبة بسرعة. فالأنظمة السياسية قد تجد نفسها مضطرة للرد، لا لأنها تريد الحرب، بل لأنها لا تستطيع تحمل كلفة عدم الرد أمام جمهورها وحلفائها.

السيناريو الرابع هو صفقة محدودة حول هرمز وأمن الملاحة. هذا السيناريو عملي لأنه يعالج أخطر نقطة ضغط على الاقتصاد العالمي، لكنه يظل هشا لأنه لا يعالج جذور الأزمة. فهرمز ليس سبب المشكلة وحده؛ هو الأداة التي جعلت المشكلة عالمية. إذا تمت معالجة الملاحة فقط دون التعامل مع الملف النووي والعقوبات والضمانات الأمنية ودور الجبهات الإقليمية، فإن الأزمة ستعود لاحقا بصيغة أخرى.

المسار المستقبلي سيتوقف على ثلاثة عوامل حاسمة:

  • الأول، هو قدرة واشنطن وطهران على قبول تسوية لا تبدو كهزيمة.
  • الثاني، هو قدرة الوسطاء على تحويل الاتصالات المتقطعة إلى إطار سياسي واضح.
  • الثالث، هو قدرة دول المنطقة على فرض معادلة تقول إن أمنها ليس هامشا في أي اتفاق. فلا يمكن لأي تفاهم أمريكي إيراني أن يكون مستقرا إذا تعامل مع الخليج ولبنان والممرات البحرية والدول المجاورة بوصفها مجرد ساحات ضغط أو أوراق تفاوض.

لذلك، إن الأزمة بعد مئة يوم تبدو أقرب إلى تسوية اضطرارية منها إلى حرب شاملة، لكنها ليست قريبة من سلام مستقر. نحن أمام لحظة يفرض فيها الخوف من الكارثة نوعا من العقلانية المؤقتة. الأطراف لا تثق ببعضها، لكنها تخاف من تكلفة الانهيار الكامل. وهذا الخوف قد ينتج اتفاقا، لكنه لن ينتج بالضرورة سلاما.

ختاما، ربما لا يكون السؤال الأهم: هل ستنتهي الأزمة؟ بل: هل سيتم تجميدها بطريقة تمنع الانفجار، أم ستبقى مفتوحة حتى تقع الضربة التي لا يستطيع أحد احتواءها؟ بعد مئة يوم، تبدو المنطقة عالقة بين تسوية لا يثق بها أحد، وتصعيد لا يريده أحد. وفي السياسة الدولية، أخطر الأزمات ليست تلك التي يختار فيها اللاعبون الحرب بوضوح، بل تلك التي يقتربون فيها من الحرب وهم يعتقدون أنهم ما زالوا يسيطرون على اللعبة. والثقة الزائدة والكبرياء هي الخطر الأكبر في المرحلة المقبلة.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

شاركها.
اترك تعليقاً

عاجل