خلال أمسية بـ”كتارا” القطرية للرواية العربية.. الشاعر حسين جلعاد يوقع مجموعته القصصية “عيون الغرقى” | ثقافة
استضافت مكتبة كتارا للرواية العربية في قطر، أمس السبت، حفل توقيع المجموعة القصصية “عيون الغرقى” للقاصّ والشاعر والصحفي حسين جلعاد.
بدأت الأمسية بتقديم من الصحفية والكاتبة سميرة عوض، وفقرات نقدية للكُتاب، بالتناوب مع القاص والشاعر الذي قرأ مقاطع من القصص.
والأمسية التي امتدت زهاء ساعتين، شهدها حضور كثيف ملأ قاعة المكتبة، من الإعلاميين والكُتاب وعشاق الثقافة، وشهدت حوارًا شيقًا وغنيًّا وعميقًا أثاره الحضور مع المؤلف الذي أجاب عن تساؤلاتهم، معلنا أنه يعكف على نصوص إبداعية سردية، منها رواية سترى النور قريبا.
وقال المؤلف إن السرد لم يغب عنه، وهو الذي عرف شاعرا، وهذا ما يفسر رحلته الشعرية وتنقله من الشعر العمودي، إلى قصيدة التفعيلة، ومن ثم قصيدة النثر المفتوحة على التجريب والسرد.
وعبّر الكاتب جلعاد عن عميق شكره وسعادته الغامرة لاحتضان مكتبة كتارا للرواية العربية حفل إشهار مجموعته القصصية في الحي الثقافي كتارا الذي يحتضن الثقافات المختلفة في جو من الحميمية والألفة وسط مكتبة عامرة بعناوين الكتب من شتى بقاع الأرض، موجها تحية خاصة لمدير المكتبة الشاب الممتلئ بالحماسة الأستاذ خالد المهندي لاحتضان النتاج الإبداعي للمؤلفين.
وثمن جلعاد دور مكتبة كتارا بوصفها رمزا من رموز الثقافة العربية.

كتارا
وفي تقديمها للحفل قالت الصحفية سميرة عوض إن “كتارا” أقدم أسماء قطر، أصبحت قرية ثقافية تراثية تحمل عراقة الماضي وعالمية الرؤية، لنستعيد مع المؤلف وهج حكايات كتبها ذات زمان بعيد، لكنها لا تزال طازجة وكأنها كتبت للتوّ.
وأضافت أن “حكايات الحنين هذه تأتي بعد 15 عامًا من الغياب عن النشر، يأتي حسين جلعاد بقصصه العشر، الزاخرة بحكايات الحنين، تنظر إلينا بعيونها الغرقى”.
ونوهت بأن المجموعة القصصية هي العمل الأدبي الثالث للمؤلف بعد مجموعتيه الشعريتين “العالي يصلب دائمًا” و”كما يخسر الأنبياء”.
إربد البدايات
وتوقفت عند إهداء المجموعة القصصية حيث يُهدي الكاتب قصصه إلى مدينته “الأولى” التي لا يسمّيها، بل يُخاطبها بالقول “هذا واحد بالألف من احتفالي بكِ،…. إنّني أشعل قلبي وأمضي..”، وشيئًا بعد شيء سنتعرّف على مدينة بملامح معروفة تبين أنها إربد عروس الشمال الأردني، حيث تابع جلعاد دراسته الجامعية وكتب نصوصه الأولى، وتدور معظم القصص فيها، ومع ذلك بقي التساؤل لِمَ يهدي الكاتب مدينة وليس إنسانًا؟ وأي المدن حظيت بهذا الإهداء؟
وكأن عدنان أيوب (من شخصيات قصة نعناع المصاطب) يرد على هذا السؤال في القصص قائلا، “إربد التي أغوته يوما بعشق المدائن فوجد نفسه فيما بعد متورطا بضجيج الإسمنت والمدن الكبرى. وهو لم يدرك مدى تعلقه بإربد إلا حين غادرها، تلك التي يألفها الجميع بسرعة -أو يظنون ذلك- بيد أنها تستعصي على الإتيان بتلك المجانية والتسطيح، وحدهم من تشكلوا في الأزقة والشوارع يعرفون أي أمان هي جدرانها. وهم وحدهم من يعرفون أية ذاكرة لقطط الليل”.

الاغتراب
ومقابل الحب الكبير لإربد، نقرأ اغتراب الكاتب عن المدينة التي يعيش فيها، وهي العاصمة عمّان، اغترابًا يبلغ به حدّ النفور منها، فهو شاعر يعيش العزلة والوحشة في مدينة مزدحمة، ويرى كيف “القرى والمضارب تقذف المدينة بخِيرة أبنائها، فتردّهم المدينةُ منكسرين مغبونين!”.
وفي جولته في شوارع عمّان ومعالمها، جبالها ومقاهيها، يذكر الراوي أسماء أمكنة عمانية مثل “الفينيق” و”الفاروقي”، اللويبدة، العبدلي، المدرج الروماني…
في قصّة “دو: أسرار معلنة”، هناك عنوان فرعيّ يستعير أغنية فيروز “رجع أيلول”، حيث “السّماء عابسة، والإخوة في الغابات يقتتلون…”، في إشارة إلى أحداث سبتمبر/أيلول 1970. والشاعر المولود في العام نفسه، يستحضر هنا “أيلول” على الصعيدين الذاتي والعام…
و”صوت فيروز يرافق وعودَ العاصفة والرؤوس المشتعلة بارتفاع القبضات، ربّما من يومها ستدخل فيروز تاريخ السيرة الشخصيّ، لتجعل لأيلول طعمًا آخر كالحزن وأنتَ تمشي وحيدًا مع الإسفلت والمطر…”، ومقطع من أغنية فيروز “رجع أيلول وانت بعيد… بغيمة حزينة قمرها وحيد”.
تبرز ملامح شاعرية جلعاد وحضور الشعر في السرد؛ ففي أحد نصوصه يقول “حملوا عبء الضَّوء، ثمّ مضَوا نجمًا واحدًا، فأضاؤوا قلوب الناسْ، رشفوا قهوة الصبح عند حدود الشّام، واستراحوا المغيبَ على ضفّة الأندلس”…
يحضر برتقال عتيل -إحدى القرى الفلسطينية قرب طولكرم- عبر حوار بين زميل وزميلته التي تحدثه عن ذكريات جدها، وهو يحدثها عن قوة الأشجار، وعن أولاده الذين توزعوا في صقيع.. في كناية عن حضور القضية الفلسطينية، ويظهر من يردّد قصيدة محمود درويش “أنا أحمد العربيّ” والتي كان الطلبة يتبادلون كاسيتها وكأنه منشور سري.
تجوال بين العوالم
يتجوّل القاصّ/ الشاعر في عوالمَ شتّى، من أزمنة وأمكنة وشخوص وحوادث، كما يتنقّل بين أساليب ومُعطيات متعدّدة، ويأخذنا في رحلات خاطفة تنطق بها الشخصيات في عبارات قليلة كما لو كانت في رحلة العودة إلى عالم الأحاسيس الأولية وألوان الطفولة المبكرة.
وفي عدد من قصص الكتاب، يجري الحديث عن “زمن الأفكار الكبرى، والكتب المذهلة التي ستترك عيوننا مبحلقة ومتّسعة إلى أبد الآبِدين”.
يستعير جلعاد مشهد “ماسح الأحذية” الشهير من أغنية نصري شمس الدين في قصة “بويا”، حيث الطفل ماسح الأحذية يحلم بالزبائن في الجانب الثري من المدينة بعيدًا عن قاعها. لا يصور جلعاد هذه الشخصيات بائسة أو منكسرة، بل يقدمها كشاهدة على موقف يبرهن لها على سخرية الحياة.
يتنازع كلَّ شخصيات جلعاد عالمان: الطفولة والرشد، المراهقة والنضج، الفقر والثراء، المثقف الذي يشعر أن العالم المحيط به ليس إلا مجموعة من الأصوات النشاز، وتلك الشخصيات المحاذية للمثقف – الأصدقاء الأوفياء.. كما يقول الراوي في قصة “إذن هؤلاء هم أصدقاؤك الذين تبوح لهم بأسرارك؟…
لفيروز حضور خاص، ففي قصة نعناع المصاطب “نطرتك أنا ندهتك أنا…”، حيث بعدنان، وربّما كان هذا المثقّف الذي يحمل اسم عدنان أيّوب، ممثّلًا لجيل حالم ويائس، فهو شديد الإحباط تجاه حلم التغيير، فهو يعيش حالة الضياع التي تقوده إلى اليأس فالعبث.
يتصرف عدنان بعصبية ويعترض على كل شيء، إنه الشخصية التي تمتد مشاعرها وأفكارها إلى ما وراء الخسائر الملموسة والتجريبية للكائن وتصير إحساسًا بالانحدار الثقافي والتوق إلى الماضي.
وإن كان الإهداء بدأ بمدينة إربد -عروس الشمال الأردني- التي شهدت طفولة وشباب القاص جلعاد، تظهر أطياف قرى وأماكن ريفية من محيطها مثل “وقاص” “البارحة” و”الحصن”، مرورا بالعاصمة عمّان، ليأخذنا إلى أقصى جنوب الأردن في قصة “والبحر ينام أيضًا”، للحديث عن مدينة وميناء العقبة، عروس البحر الأحمر، يهمس لبحرها، فما الذي قاله البحر لشاعرنا!
عشر قصص احتضنتها المجموعة جاءت عناوينها على درجات السلم الموسيقي “دو: أسرار معلنة، ري، مي”، “فا: الإسفلت والمطر”، و”صول: كائن سماوي”، و”لا” و”سي: أربعة جدران وباب”، و”المساء يطير غربًا”، و”الخريف والشبابيك القديمة” (وهي قصة في 6 مشاهد: نعناع المصاطب، خمول متحرك، قال الحلم له، نزار وحده، شبابيك قديمة، آخر اللوحات)، وآخرها “دو: والبحر ينام أيضًا”.