تقارب باكستاني روسي في مجال الطاقة.. هل تستطيع إسلام آباد الموازنة بين موسكو وواشنطن؟ | سياسة

في تطور جديد ولافت للأنظار، توصلت باكستان وروسيا إلى بروتوكول نوايا في مجال الطاقة، وذلك بعد مشاورات للجنة الحكومية المشتركة للتعاون التجاري والاقتصادي والعلمي والتقني بين الجانبين، وأسفر عن المشاورات التي جاءت خلال زيارة وفد روسي رفيع المستوى إلى باكستان أواخر الأسبوع الماضي عن توقيع اتفاق مشترك بين غرفة إسلام آباد للتجارة والصناعة وبين نظيرتها غرفة موسكو.
وفي السياق، قال رئيس لجنة العلاقات الاقتصادية الخارجية الروسية ستانيسلاف كوروليف خلال توقيع الاتفاق إن “روسيا تريد توسيع العلاقات التجارية مع باكستان”، في حين قال إحسان ظفر بختوري رئيس غرفة إسلام آباد إنه يتعين على البلدين بذل جهود لزيادة التجارة الثنائية إلى ما لا يقل عن 5 مليارات دولار في غضون السنوات القليلة المقبلة، وذلك وفق ما نقلته صحيفة “إكسبرس تربيون” (The Express Tribune) الباكستانية.
اتفاق منتظر
وعلى الرغم من أن الجانبين لم يتفقا بشكل نهائي على كامل التفاصيل الخاصة باتفاق الطاقة الذي بموجبه ستشتري باكستان النفط ومنتجات الطاقة الأخرى من روسيا، إلا أن وزير الطاقة الروسي نيكولاي شولجينوف أكد في مؤتمر صحفي مشترك مع وزير الشؤون الاقتصادية الباكستاني أياز صادق، أن بلديهما سيعملان على معالجة جميع القضايا الفنية بما في ذلك النقل والتأمين وآلية الدفع بحلول مارس/آذار القادم.
وعلى هامش المؤتمر، قال وزير الدولة الباكستاني للطاقة مصدق مالك إن جميع التفاصيل قد تم تسويتها بما في ذلك النقل والعملة، وأشار لصحيفة “دون” (DAWN) الباكستانية معلقا “لن يكون من المناسب الكشف عنها قبل إبرام اتفاق بحلول مارس/آذار القادم”.
ووفقا للتصريحات المشتركة، فإن باكستان ستستقبل الشحنات الأولى من النفط الروسي في أواخر مارس/آذار، أما ما يتعلق بالغاز الطبيعي المسال، فإن شركات الغاز الروسية قد لا تكون في وضع يسمح لها حاليا بإيصال أي إمدادات لباكستان وقد تكون جاهزة لذلك أواخر العام الجاري.
وكان وزيرا الطاقة الباكستاني والروسي قد توصلا لتفاهم مشترك مفاده أن التعاملات المالية بين البلدين يمكن أن تتم من خلال عملات أي دولة صديقة، من غير الدول الغربية التي تشارك في فرض عقوبات على روسيا.
وكان الجانبان قد وقعا 3 اتفاقيات للتعاون في قطاعي الجمارك والطيران، فضلا عن الاتفاق على تبادل المعلومات من أجل تطوير وتحسين البنية التحتية للسكك الحديدية والطرق في باكستان.

تفاؤل حذر
وتعد باكستان من أكثر الدول المتعطشة لموارد الطاقة من النفط والغاز الطبيعي المسال الذي يشكل تحديا سنويا لباكستان، لا سيما في فصل الشتاء، ونظرا للأزمة الاقتصادية التي تمر بها البلاد حاليا مع تزامن نقص مخزون البلاد من العملات الأجنبية، فإن أزمة الطاقة أصبحت وجها مألوفا مع الأخذ بالحسبان أن واردات الطاقة تمثل معظم مشتريات باكستان الخارجية.
وغالبا ما تعتمد باكستان بشكل كبير على شحنات النفط والغاز من دول الخليج التي تقدم لإسلام آباد تسهيلات مثل المدفوعات المؤجلة، إضافة إلى تخفيضات في تكاليف النقل في بعض الأحيان.
وفيما يتعلق بالتفاهم الأخير مع الجانب الروسي، قال وزير الخارجية الباكستاني السابق إعزاز أحمد تشودري الذي شغل منصب سفير باكستان في الولايات المتحدة في مقال رأي له على صحيفة “دون” الباكستانية إنه سيكون من السابق لأوانه الاحتفال، حيث إن إمدادات الطاقة لا تزال على بعد أشهر إذا نجحت المفاوضات البينية حول تفاصيل الاتفاق.
ويؤكد على ذلك شاكيل راماي الخبير في الاقتصاد السياسي ورئيس المعهد الآسيوي لبحوث الحضارة والتنمية في إسلام آباد الذي يقول “علينا انتظار تنفيذ الاتفاق الذي سيبدأ في مارس/آذار المقبل، والأهم من ذلك؛ علينا الانتظار لمعرفة تكلفة النقل” مضيفا -في حديثه للجزيرة نت- أن معرفة تكاليف النقل مهمة للغاية، لأنها ستحدد التكلفة الفعلية للنفط في باكستان، نظرا لأن المسافة بين باكستان وروسيا طويلة جدا مقارنة بالموردين التقليديين لباكستان مثل المملكة العربية السعودية ودول الخليج.
مسار صحيح
وبالعودة إلى إعزاز تشودري، فإنه يؤكد على أن هذه الخطوة تطور مرحب به، حيث إنها تتماشى مع سياسة باكستان في التعامل مع جميع القوى الكبرى على أساس المصالح الوطنية للبلاد، لافتا إلى أن دبلوماسية باكستان خلقت مساحة للتواصل مع روسيا لتزويدها بالطاقة بأسعار مخفضة بدون المساس بعلاقات بلاده مع الولايات المتحدة وأوروبا.
أما تشودري، فيرى أن باكستان تعد سوقا محتملة للمعدات والاستثمارات العسكرية الروسية، كما أن عدم الاستقرار في أفغانستان يتطلب تنسيقا أوثق بين البلدين، غير أنه في ذات الوقت يؤكد أن وجود شراكة قوية بين روسيا والهند قد يحد من آفاق التعاون والشراكة بين روسيا وباكستان، وفق قوله.

الموازنة بين واشنطن وموسكو
لطالما كانت العلاقات بين باكستان وروسيا باردة في كثير من الأوقات، لا سيما بعد الاحتلال السوفياتي لأفغانستان ووقوف باكستان في المعسكر الأميركي في ذلك الوقت، وبالرغم من الجهود المستمرة لمعالجة العلاقات بين إسلام آباد وموسكو، إلا أنها بقيت متواضعة إلى حد ما.
وقد كانت زيارة رئيس الوزراء الباكستاني السابق عمران خان إلى روسيا في فبراير/شباط من العام الماضي في الوقت الذي بدأت فيه الحرب الروسية الأوكرانية؛ علامة فارقة في هذه العلاقات، وهي أحد الأسباب التي يدّعي عمران خان أنها السبب في إسقاط حكومته.
وفي الوقت ذاته الذي كان فيه الوفد الروسي يزور باكستان الأسبوع الماضي، قال المتحدث باسم الخارجية الأميركية إن الولايات المتحدة تريد أن ترى باكستان في “وضع مستدام اقتصاديا وذلك موضوع نقاش داخل الإدارة الأميركية” وذلك وفقا لما جاء في صحيفة “ذا نيوز إنترناشونال” (The News International) الباكستانية.
وبالرجوع إلى شراء باكستان للنفط الروسي، يرى تشودري أن العقوبات الأميركية الغربية على روسيا قد أجبرت الأخيرة على التحول لأسواق جديدة في الشرق وبشكل خاص الهند والصين وباكستان، وأن الولايات المتحدة تنظر إلى ذلك على أنه انتهاك للعقوبات المفروضة على روسيا، وفق تشودري.
من جهته، يرى جاويد حفيظ الدبلوماسي الباكستاني السابق ورئيس مركز إسلام آباد للدراسات السياسية “أن الولايات المتحدة لا تريد الضغط على الهند للحفاظ على الشراكة الإستراتيجية بينهما لتقويض الصين في آسيا”، ويضيف أن الولايات المتحدة سوف تكون منحازة مع الهند وفي حال وجود ضغط سيكون على باكستان بشكل أكبر.
وفي حديثه للجزيرة نت، يعتقد جاويد حفيظ أن باكستان ستصمد في وجه أي ضغط خارجي، وأنها ستكون قادرة على موازنة العلاقات بين روسيا والولايات المتحدة والحفاظ على مصالحها.
ويؤكد على ذلك شاكيل راماي الذي يقول “قد يكون هناك ضغط، لكن أعتقد أن باكستان ستكون قادرة على امتصاص الضغط، حيث إن العديد من الدول الأخرى تتعامل مع روسيا مثل الهند”.
ولدى سؤاله عن إمكانية أن يكون للاتفاق الباكستاني الروسي تأثير على تعاملات باكستان مع صندوق النقد الدولي، لم ينفِ راماي إمكانية حدوث ذلك، لكنه أكد على أن باكستان ستمضي قدما في الاتفاق مع روسيا.