نجاة عبد الصمد: حبي للسويداء فائض ومجنون.. ومخطئ من يظن أن صوت الناس يموت | ثقافة
بحكمة الطبيبات وتمرّد الأديبات ما زالت الطبيبة والروائية السورية نجاة عبد الصمد (مواليد السويداء 1967) تنسج حكايات النفوس والأجساد في أزمنة وأمكنة قُدر فيها للإنسان السوري مواجهة كل ضروب الانكسار والحزن والشقاء بحثا عن حريته وكرامته وحقه المسلوب.
فمن “بلاد المنافي” مرورا بمروياتها الثلاث: “غورنيكيات سورية” و”في حنان الحرب” و”منازل الأوطان” وصولا إلى “خيط البندول” الرواية الصادرة حديثا، تمكنت عبد الصمد من بلورة مشروع أدبي شاغله الإنسان السوري بألمه وأمله، وقهره وثورته، ونواقصه وفضائله، ومن إعادة ترتيب الأدوار في المجتمع لتعطي للمرأة السورية مكانتها أما وعاملة وعالمة وأرضا ومروى لا ينضب ماؤها.
وعرف مشروع صاحبة “لا ماء يرويها”، الرواية الحائزة جائزة كتارا لعام 2018، نضجا سرديا وتنويعا أسلوبيا ورهافة شعرية وجمالية أسهمت في تأكيد فرادته وطابعه الخاص، لا سيما في ركون عبد الصمد في عدد من أعمالها إلى “المرويات” كلون روائي ميّزها عن غيرها من الروائيين السوريين.
وإلى جانب كونها مترجمة وطبيبة متخصصة في التوليد والجراحة النسائية، فقد نالت نجاة عبد الصمد إجازة في الأدب العربي من جامعة دمشق، ومارست مهنة الطب إلى جانب الأدب في مدينتها السويداء قبل أن تضطر مع اندلاع الحرب السورية إلى الهجرة إلى ألمانيا حيث تستقر اليوم.
وبصدور “خيط البندول” حديثا عن دار هاشيت أنطوان، أصبح في رصيد الروائية 6 أعمال أدبية: 3 مرويات و3 روايات رصدت من خلالها قضايا وأحداثا من حياة السوريين تمتد منذ ثمانينيات القرن الماضي وإلى وقتنا هذا.

خيط البندول أو اليد التي تتلاعب بمصائرنا
-
البندول هو رقّاص الساعة القديمة، وذلك الشيء الذي يتأرجح مراوحا في الهواء بين نهاية عظمى يمنى وأخرى يسرى في حركة لانهائية لا يتوقّف عنها ولا يتخطّى فيها إحدى تلك النهايتين؛ فماذا عن الخيط؟ ولماذا وقع اختيارك على هذا العنوان؟
في طفولتي كانت لنا لعبة اسمها البندول: خردتان بدائيتان (الخيط والمسمار) نصنع منهما بندولا يكشف لنا مستقبلنا؛ يا لهذه اللعبة كم أثقلناها بالمعاني! وهي التي تسلّت بها بنات الحارة في الرواية وكانت مفتاحا لأحداث كثيرة فيها.
ربما جاء اسم لعبتنا الطفولية هذا من رقّاص الساعة الذي ينوس وينوس حول محوره، لا يتعدى مجاله المرسوم ولا يتوقف لأن قوة تدفعه ليتحرك فقط ضمن المساحة التي تتيحها له، بينما بندول لعبتنا مربوط إلى خيط تمسك به إحدى البنات التي تدير اللعبة.
لعلّ الرواية أرادت أن تسأل: أي يد هذه التي تمسك بالخيط وتتحكم في مساره؟ هل هي يد الله، يد القدر، يد الحكومات، يد الصدفة، الحظ، أم يد الإنسان، أي عقله وتفكيره، هي التي تدير مصيره؟!
لعلّ الرواية أرادت أن تسأل: أي يد هذه التي تمسك بالخيط وتتحكم في مساره؟ هل هي يد الله، يد القدر، يد الحكومات، يد الصدفة، الحظ، أم يد الإنسان، أي عقله وتفكيره، هي التي تدير مصيره؟!
من الطريف هنا إخبار القراء ببعض ما يدور في الكواليس بين الكاتب والناشر: استغرقت مني كتابة هذه الرواية ما يزيد على 3 سنوات، وكنت خلالها أسير بها باسمٍ وحيد وراسخ في ذهني: “ولكنها تفاحة” وبه أسلمتها إلى دار هاشيت أنطوان، وكان لهم في الدار رأي آخر، أن العنوان الذي اخترته ملتبس، أو أنه ضعيف من منظور التسويق كعتبة أولى لتشويق القارئ. طال نقاشنا وتداولُنا لعشرات العناوين البديلة قبل أن نرسو على “خيط البندول”. اقتنعت به، وبدأت أحبه وإن لم يبارحني حنيني إلى الاسم الأول.
-
ينفتح السرد في “خيط البندول” على شخصية أسامة، الطبيب النسائي الماهر الذي عالج عشرات حالات العقم خلال مسيرته المهنية، ولكنه الآن يبدو عاجزا عن معالجة عقم زوجته نفسها. فإن كان عقما فيزيولوجيا على مستوى القصة فأي عقم هو على مستوى النص؟ وهل كان من باب المصادفة التقاطع بين مهنتك الشخصية كطبيبة نسائية وسيرة هذه الشخصية؟
لم تكن المشكلة في مهارات الطبيب ولا في وضع التشخيص، بل في افتقاد البلد للتقنيات الطبية الحديثة التي كانت لتعالج مرض زوجته. ولعل الرواية أرادت أن تشير إلى المكمن الفعلي لهذا العجز؛ إنه عجز البلاد، جذور العقم المجتمعي الذي كانت إحدى الحالات الطبية مثالا واقعيا عنه، كذلك في الهندسة أيضا وحتى في مفاتيح التفكير داخل أكثر من طبقة اجتماعية وأكثر من أسرة. كان لدى كل منها الكثير ليفعله على طريق تغيير مصيره، وهو لا يعلم أن مفتاح هذا الطريق ليس بيده وحده.
هو قرار، وليس من باب المصادفة أن تؤثّث مهنتي في الحياة لموضوعة الطبّ في روايتي مع شرط سعيي للإمساك بجميع العناصر الفنية لأي رواية. وكذلك على ألا تقتصر على الطب وحده، بل أن تبني نفسها على مستويات عديدة يظلّ الطب ملتقى حراكها، من غير أن يفرض نفسه على فضاءاتها، بل يتنحى طوعا ليترك لنداء وفريدة وأدهم ووردة وشيرين وفريد وفوزي وبالتأكيد لآدم، بطلها الخفيّ، وكذلك لزاهي المجنون وغيرهم أن يقدّموا أنفسهم من عوالمهم البعيدة عن الطب، كما يرونها هم.
لم أقرأ في أدبنا العربي كثيرا من الأعمال الروائية التي أتاحت للطبيب أن يفصح بالأصالة عن نفسه كإنسان وزوج/ة وابن وأخ وأب ومشروع أب أو أمّ، بينما يغالي الذهن المجتمعي في حشر الطبيب في إحدى خانتين نقيضتين: هو في نظر المجتمع إما قديس أو مذموم. هذه الرواية هي دَيْني الذي أردّ بعضه إلى مهنة الطب كرسالة، وإلى الطبيب بصفته إنسانا ليس منزّها عن الضعف، وإلى رسالة الأمومة كجزء من تكوين المرأة سواء أنجبت أم لم تنجب.
لم أقرأ في أدبنا العربي كثيرا من الأعمال الروائية التي أتاحت للطبيب أن يفصح بالأصالة عن نفسه كإنسان وزوج/ة وابن وأخ وأب ومشروع أب أو أمّ، بينما يغالي الذهن المجتمعي في حشر الطبيب في إحدى خانتين نقيضتين: هو في نظر المجتمع إما قديس أو مذموم. هذه الرواية هي دَيْني الذي أردّ بعضه إلى مهنة الطب كرسالة، وإلى الطبيب بصفته إنسانا ليس منزّها عن الضعف، وإلى رسالة الأمومة كجزء من تكوين المرأة سواء أنجبت أم لم تنجب.
-
ينتهي زمن الأحداث الروائية في خيط البندول في عام 2010 (أي قبل اندلاع الثورة السورية بنحو عام). فما دلالة الزمن؟ وما أبرز ما تحاول الرواية رصده؟
في خيط البندول أتابع الكتابة فيما يشغلني وأعتقد أن لديّ ما أقوله عنه، فعل الكتابة ليس خيارا يتبعه صاحبه أو يعرض عنه. وبالنسبة إليّ كانت قدرا لم أحاول النجاة منه، فهي التي منحتني من الشفاء والمتعة ما يوازي الألم العظيم الذي يرافق إنجازها. ومع الوقت والمضيّ في الكتابة، راحت بمجموعها تتبلور بشكل ما إلى ما يمكن تسميته “المشروع الروائي” الذي يرصد إنساننا السوري، خميرة البلد، في مجتمعه الخاص والعام، ويفرد للمرأة فيه الحصة الأكبر، عبر مسير الزمن منذ بدايات القرن الـ20 حتى أيامنا. بدأت مع “بلاد المنافي” التي انتهت أحداثها عند ثمانينيات القرن الماضي إلى “لا ماء يرويها” التي سارت تكمل حتى عام 2000، ووصلت الآن مع “خيط البندول” إلى عام 2010. سوف نمضي معا أنا وهي، تسحبني وأتبعها بلا عناد.
مرويات الوجع السوري ومفارقات الحروب
-
تميّز نتاجك الأدبي في مرحلة الثورة والحرب في سوريا بمجموعة من كتب المرويات: “غورنيكات سورية” و”في حنان الحرب” و”منازل الأوطان”، والمروية جنس أدبي توثيقي ينهل من الواقع حكاياته ويعالجها أدبيا؛ فلماذا وقع اختيارك على هذا اللون الروائي/الأدبي تحديدا؟ وهل كان للوقائع السورية خلال تلك المرحلة دور في هذا الاختيار؟
لم أختر كتابتها، ولم يكن في رأسي حرف منها.
جاءت “حدثا كتابيا” طارئا مع زلزال سوريا الحالي الذي عصف بالبلاد ومصائر أهلها.
بدأت “غورنيكات سورية” تتشكل جنينا منذ أسقطت طائرة برميلا قذرا على بيت زينب وأسرتها فعطبتهم كلهم وقتلت أكثر من نصفهم، ونما مع نزوح رغد التي لم تحمل من بقايا بيتها سوى شتلة حبق، ومع ريبال الطفل الذي يرجو لو ينقله صاروخ سريع إلى بيت جده ليرى الصيصان الوليدة التي وعدته بها جدته، وكبر الجنين وأفاض لتصبح البلاد كلها قاعة لمخاض ولادته.
هذه الحكايات وسواها تقولبت على ما أصبح اسمه الغورنيكات، ثم تلملمت من جديد مع “في حنان الحرب”، ثم تنشقت بضعة أنفاس هادئة مع “منازل الأوطان”.
تتغير منظومة تفكير الإنسان مع الحرب وبعدها، وأقصد هنا البشر الطيبين (ملح الأرض)، الذين لا يريدون الحرب، ولا يتمنون وقوعها حتى في كوابيسهم، لكنهم يصحون على أنفسهم وقد أصبحوا ضحاياها، فيستنهضون في دواخلهم كل مزقة من الطاقة ومن الصبر ليعيدوا بناءها، وليتضامنوا فيما بينهم بحنان إنساني عميق، ما كان له أن ينجلي لولا وقوع الحرب.

-
جاءت مرويتك “في حنان الحرب” (2015) بمفارقة صارخة منذ العتبة الأولى للنصّ. فما الذي أردت إيصاله عبر إثارتك لتلك المفارقة (الحنان/الحرب)؟ وهل حقا ثمّة حنانٌ في الحروب؟
لطالما سار تاريخ البشرية على هذا النحو: حروب طويلة مدمّرة، تعقبها استراحات قصيرة ليست إلا هدنة بين حربين. ولو تأملنا في هذا التاريخ لظهرت لنا مفارقة أكثر إدهاشا: أن كل نقلة عظيمة في مساره لم تتحقق إلا بعد الحروب أو الأوبئة أو كوارث الطبيعة. فالدمار الشامل بعد كل منها هو الدافع الرئيس إلى تطور البشرية، لأنه يكشف الثغرات التي سبّبته واحتياجات البشرية بعد انقضائه، من إعادة تخطيط المدن وإعمارها إلى خلق بنية تحتية أقوى من تلك التي لم تصمد خلال الحرب أو الوباء.
كذلك تتغير منظومة تفكير الإنسان مع الحرب وبعدها، وأقصد هنا البشر الطيبين (ملح الأرض)، الذين لا يريدون الحرب، ولا يتمنون وقوعها حتى في كوابيسهم، لكنهم يصحون على أنفسهم وقد أصبحوا ضحاياها، فيستنهضون في دواخلهم كل مزقة من الطاقة ومن الصبر ليعيدوا بناءها، وليتضامنوا فيما بينهم بحنان إنساني عميق، ما كان له أن ينجلي لولا وقوع الحرب، وهذه ميزة لمصلحة الحرب لا يجدر بنا الإشاحة عنها ونحن نحصي آثام الحروب وشناعاتها.
-
متى تختارين الرواية ومتى يقع الاختيار على المروية؟
هي فكرة الحدث وحكايته ومبناه ومناسبته؛ باجتماعها تختار لنفسها بيتا في عالم الرواية، أو المروية أو القصة القصيرة أو سواها.
عن السويداء: المدينة والمجتمع والفضاء الروائي
-
منذ باكورة أعمالك “بلاد المنافي” (2010) تحضر مدينتك ومسقط رأسك (السويداء) كفضاء روائي أثير في أعمالك الأدبية، وغالبا ما تدور الأحداث حول شخصيات تعكس ثقافة أهل المدينة وتخوض في صراعاتهم المعيشية والمجتمعية، فأي خصوصية تلك التي تغريك للكتابة عن هذه المدينة الجبلية؟ وهل كشّف لك السرد ما كان مستغلقا عليك من أسرارها عندما كنت لا تزالين منغمسة فيها حياةً وعملا؟

هي خصوصية العاطفة؛ أحب هذه الأرض، بجبالها وتلالها وريفها المنبسط ما بين تربة حمراء وحجارة سوداء وليس انتهاء بصخورٍ عملاقة تجلّل أرض قرية “الدويرة” مسقط رأسي. حبي لها فائض ومجنون ومنحاز. كان يخيّل إليّ، من قبل، أنني أحب نشأتي وذكرياتي فيها، وأخذني السرد إلى مكان آخر، أبعد بكثير، كشف لي أنني أحبها لذاتها، لأنفتها، لكبريائها، لاعتلائها فوق كل اختبار، لأبديتها بينما نحن نأتي ونمضي. وبالسرد حاولت أن أصفّي حسابا معقّدا ومزمنًا مع ولعي بها، بمائها الشحيح، بالألف منمنمة صغيرة في فضائها الأوسع من عصوف الريح والحروب. كانت الكتابة عنها أشبه بمكاشفة، باحتجاج، بصراخ، بانتشال ما غاص في قيعان العاطفة، بقول أدامز دوغلاس “الكتابة عمل سهل جدا، ليس عليك إلا أن تحدق في ورقة بيضاء إلى أن تنزف جبهتك”.
-
تبدو رواية “لا ماء يرويها” في معظم أبعادها كمحاولة سردية جادّة وجريئة للنبش في السويداء ومجتمعها وتفكيك مكامن العطش والحرمان فيهما، وتسليط الضوء على المحركات والصراعات الخفيّة والحكايات المخبأة على مستويات عدة مجتمعية وسياسية وحقوقية؛ فأي ظمأ عتيق هو ذاك الذي تتوق السويداء لإروائه؟ ولماذا لم يرتوِ خلال عقود خلت؟ وما الذي دفعك إلى الكتابة عنه رغم بعض ردود الفعل السلبية من القرّاء من أهالي المدينة؟
هو الظمأ إلى الحب، حرمان الإنسان من أبسط ما يحتاج ليحيا، أن يرى أفقا في سمائه المربدة، وهو عتبي علينا، نحن أبناء هذا الإباء كيف لم نتعلّم منه كيف نقول: لا! في وجه كل ما يسلبنا إنسانيتنا.
مع بدايات جلساتي في كتابتها كنت أنوي كتابة قصة حب لم تكتمل. كم تبهرنا قصص الحب الذي لم يكتمل؛ فبالكاد انكتبتْ بضع صفحات، وبعدئذ عصاني الشخوص والمكان والوجهة، ساروا أبعد بكثير من التعاطف المؤقت أو الأمنيات أو فضول التوق إلى النهايات السعيدة. ساروا كلهم يخلعون عن أنفسهم كل تلك الأثواب التي نرتديها في الزيارة والأعياد والسياحة الموسمية لنبدو جميلين بينما نحن لسنا كذلك، أي جمال يمكن أن يحيا في غياب الحب؟ في الرواية نخرج من إطارات الصور ونعود بشرا عاديين، نتكاشف أمام أنفسنا والآخرين. ولم يثر غضب هؤلاء الآخرين إلا بسبب هذه المكاشفة، لم يقل أحد: لا ليس هذا هو واقع الأمر. احتجوا فقط: لماذا ننشر غسيلنا الوسخ! الأدب يشير إلى الوسخ ليحفّز على تنظيفه، أما الأسباب التي جعلتنا ظامئين إلى الحب فهي هناك، في بطن الرواية.
-
كان للبطلات المتناقضات بصفاتهن وسلوكهن حصّة الأسد من حزمة شخوصك الروائية. فلماذا انصبّ تركيزك على نموذج المرأة السورية؟
هو المجتمع الذي أعرفه، هي تجربتي وأفكاري ورؤاي، وهن النساء ابتداء مني أنا وأنتِ وهي وتلك، هو القلم الأنثوي حين يغوص فلا يترك منمنمة إلا ويفصفصها. هو ما أزعم أنني قد أستطيع الجولان فيه أكثر من سواه.
-
أفردت عددا من نصوص “منازل الأوطان” (2018) للواقع السياسي والمعيشي في السويداء خلال سنوات الحرب والثورة، وقدّمتِ عددا من التفسيرات والتصورات وربما السرديات لبعض الأحداث الكبرى في المدينة، وناشدت الشرفاء واستنهضت العقلاء من الأهالي ليقدموا كل ما بوسعهم، فكيف تنظرين إلى ما يجري في السويداء أخيرا؟
أهلي وأعرفهم. ليسوا ذاتيين ولا متقوقعين ويبغون بلدا كريما لأهله جميعا وليس لهم وحدهم، ولا يبغون الانفصال عن “أمنا سوريا”، ولا حزب يقودهم أو يؤملهم ببصيص صغير أو حتى يكتب لهم شعارا بليغا بخطّ جميل كي يرفعوه على لافتة. لقد تعبوا، تعبنا كلنا. أي حكمة ترتجى ممن هدّه الحرمان من إنسانيته وكرامته قبل أن يهده الخوف أو الجوع، ويحكمه نذل وسارق ومارق اغتنى في سنين الحرب؟ هم مقهورون وغاضبون ولا يرتجون أكثر من أن يسمعوا أصواتهم تعلو ولو مرة، يكفي أنهم صرخوا ولو احتجاجا على مذلة الجوع بعد أن صرخوا نداء للكرامة. مخطئ من يظن أنّ صوت الناس قد يموت!